قراءة في فيلم «الحذاء الأحمر»



بدأ فن الباليه في قصور الأمراء بإيطاليا إبان عصر النهضة، ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا حيث بلغ ذروته في بلاط الملك لويس الرابع عشر. لم يكن ذاك الفن يومئذٍ مجرد صناعةً من صنائع اللهو ولا بابًا من أبواب الترف الخالص، بل عُدّ من آداب الطبقة الرفيعة، إذ يُراد به تهذيب الجسد كما يُراد بآداب المجالس تهذيب اللسان. وكانت عروض الباليه آنذاك تؤدى أمام النبلاء بدقة بالغة تماثل دقة الجنود وهم يستعرضون انضباط الجسد وضروب السلاح؛ إذ لم تكن فيه حركات عفوية، ولا التفاتةٌ تُترك للمصادفة، بل كانت الخطوات مقدَّرةً بمقادير دقيقة، والحركاتُ محصاةً بحسابات صارمة. فكأنّ الراقصة واقفٌة بين يدي ناموسٍ لا تحيد عنه، كحال الجنديٌّ الواقف في صفٍّ منظمٍ لا يسعه أن يخرج عن موضعه قيد أنمله. 


اجتمع في هذا الفنّ حبُّ الجمال وهيبةُ النظام، حتى غدا صورةً مصغّرةً لما كانت عليه حياةُ الأرستقراطية من انضباطٍ وترتيبٍ وخضوعٍ لسلطان العادة والمرتبة.

في بلاط لويس الرابع عشر، لحق بالباليه المزيد من الوقار ما باين به سائر ألوان الرقص، حتى غدا مماثلًا حقًا لعروض الجيوش في انتظامها منه بلهو الناس في الأفراح وما ماثلها. لقد قام ذك الفن على جعل الجسد مسوقًا بنظامٍ مستعلٍ عليه. كأن هذا الرقص قانونٌ يستعبد العضل والعصب والإرادة، ويصرفها جميعًا إلى غايةٍ واحدة، هي بلوغ الصورة الأكمل للجمال. وزاد هذا الفنَّ مهابةً أنّه ثمنه هو الجسد نفسه. يغلب على ممارسي هذا الفن ظهور مشاكل صحية ناتجة عن الإجهاد المضني الذي يلحق بالجسد جراء التمارين الشاق. رغم ذلك، لطالما رأى أرباب هذا الفن هذه المشقّة جزءًا لا مناص منه لا عارضًا من عوارضه، حتى لكأنّ الجسد عندهم قربانٌ يُقدَّم على مذبح الجمال.

لقد حاكى هذا الفن كثيرًا من مثل ابنُ الطبقة الأرستقراطية في أوروبا في ذلك العهد، إذ كان يُنشَّأ الفرد الأرستقراطي منذ حداثة سنّه على أن يملك زمام نفسه، فيكظم غضبه، ويستر انفعالاته، ويُظهر من سكون الظاهر ما يوهم الناظر أنّه منزه عن الاضطراب والهوى. وبتأمل هذا التشابه يلاحظ المرء كيف أن الباليه كان حقًا ترجمانًا فنيًا لروح هذه السيرة الاجتماعية الصارمة، وصورة من الصور المجسَّدة لتلك الحضارة التي جعلت السيادة على الجسد أول دلائل النبل وأرقى مظاهره.

يتجلى التشابه إذا أخذنا في الحسبان كيف أن الراقصة البارعة ليست فقط من تحسن الحركة، بل أيضًا من تحسن إخفاء ما وراءها؛ فلا يلحظ المشاهدون عليها آثار الألم، وإن كانت قدماها قد أعيتهما آثار الإرهاق وأثخنتهما الجراح. ولا يُلمح ناظر فيها أمارة إعياء وإن كانت عضلاتها تتشقق من فرط ما حُمِّلت. على النقيض، لا بد أن تلقى الراقصة جمهورها بوجهٍ بشوش وابتسامةٍ مشرقة، وذاك في وقت يكون فيه الجسد منغمسًا في صراعٍ عنيف مع التعب والأوجاع وحدود الطبيعة البشرية. فكأنّ الفن قد ألزمه أن يحجب الحقيقة ليرفع راية الجمال.

في فيلم الحذاء الأحمر الصادر عام 1948، من إخراج مايكل بويل وايميرك بريسبيرغر، نرى شخص بوريس ليرمنتوف مجسدًا لهذه السيرة الأرستقراطية العتيقة في أصفى مظاهرها وأشدها صرامة. إذ هو رجلٌ يرفع الفن إلى منزلةٍ تكاد تعلو على منازل نفوس البشر، ويرى أن الفن الحقيقي ينبغي أن يستقر في القلب واحدًا لا شريك له. فلا ينبغي للفنان بحسبه أن يسمح لعاطفةٍ أو أسرةٍ أو رغبةٍ شخصية أو ما شابه أن تستأثر به. وهو في هذا المعنى وريثٌ روحي لأولئك السادة والمربين الذين لم ينظروا إلى راقصة الباليه إلا بوصفها مادةً يتحقق فيها الكمال، فيصوغون جسدها كما يصوغ الصائغ جوهرته، ويستخرجون منه أجمل ما فيه مهما كان الثمن.

أما بطلتنا الراقصة فيكي بيچ فتمثل اضطرابًا عنيفًا في هذه المعادلة. تظهر فيكي كموهبةٌ فريدةأوتيت من الاستعداد ما يؤهلها لبلوغ أعلى مراتب هذا الفن، بيد أنّها لا تزال مشدودةً إلى مقتضيات الطبيعة الإنسانية. فرغم حبها لهذا الفن وارتباطه بمعنى حياتها كما أقرت، لا زال في قلبها توقٌ إلى ما وراء المسارح والجماهير. إنها تتوق إلى الحب الذي يؤنس الوحشة، وإلى ذلك الدفء الإنساني العميق. تعيش بطلتنا بين عالمين؛ عالم الفن الذي يدعوها إلى التفرد والتضحية، وعالم الحياة الذي يستدعيها إلى المشاركة والمودة. ومن هنا يتجاوز الصراع في الفيلم حدود الخصومة، ليغدو مواجهةً بين مذهبين في النظر إلى الوجود: مذهبٍ يجعل الكمال غايةً تستحق أن تُضحّى لها سائر جوانبالحياة، ومذهبٍ يرى أن قيمة الكمال نفسه تبهت إذا استلزمت التضحية بما يجعل الحياة جديرةً بأن تُعاش. أخُلقت الحياة للفن، وبالنتيجة فإن الإنسان خادمًا لما يبدعه، يبذل له شبابه وعواطفه وسعادته، ولا يستبقي لنفسه إلا ما يبقيه قادرًا على متابعة المسير؟ أم خق الفن للحياة، فليس له أن يطالب الإنسان بثمنٍ يبلغ قلبه وروحه، ولا أن يستأثر بما هو أخصّ خصائص إنسانيته؟

لم يتردد ليرمنتوف في حله لهذه المعضلة أبدًا؛ إذ يرى أن العظمة لا تُنال إلا بالاختيار، وأن الفنان الحق لا بد أن يحسم أمره، فينحاز إلى فنه انحيازًا كاملًا، ولا يسمح لعاطفةٍ أو رابطةٍ أن تنازعه السيادة على نفسه. ففي مذهبه أن الكمال لا يقبل القسمة، وأن العبقرية تغار من كل ما يشاطرها القلب. أما فيكي فلا تستطيع أن ترضى بهذا الحكم القاطع؛ إذ تأبى طبيعتها أن تقطع ما وصلته الطبيعة، وترفض أن ترى الحب والفن عدوين لا بد لأحدهما أن يفني الآخر. فهي تطمح إلى الجمع بين ما يراه غيرها متناقضًا، وتريد أن تحتفظ بقلبها دون أن تفقد موهبتها، وأن تنال السعادة دون أن تتخلى عن العظمة.

وهنا تنعقد المأساة الحقيقية؛ لا لأن البطلة قد ضلت الطريق، بل لأن الطريقين اللذين تهفو إليهما يتباعدان كلما سعت إلى الجمع بينهما. فالمحنة ليست في سوء الاختيار، وإنما في استحالة الفرار من الاختيار نفسه. ومن هذه الهوة العميقة التي تفصل بين ما يشتهيه القلب وما يطلبه المثال الأعلى، ينبثق ذلك الحزن النبيل الذي يخيّم على الفيلم كله، ويجعل نهايته تبدو كأنها الحكم الأخير في خصومةٍ قديمة بين الإنسان وحلمه بالكمال.


وحين تؤدي فيكي باليه «الحذاء الأحمر» في ذلك الفيلم، فإنها لا تمثل، في حقيقة الأمر، قصة أخرى تحاكيها فقط من خلاص فنها، بل تكاد تمثل مصيرها هي قبل أن يكتمل وقوعه. فالعرض كله يقوم مقام النبوءة المستترة، حيث يغدو الفن مرآةً تسبق الحوادث فتجلي للإنسان صورته المقبلة قبل أن يدركها بعقله. فالفتاة التي تقع أسيرة الحذاء المسحور حتى تفقد سلطانها على نفسها ليست إلا رمزًا للفنان حين يستولي عليه فنه، فيغدو ما كان في أوله اختيارًا حرًّا قوةً غالبة تستبد به وتستأثر بأيامه وقلبه. وما الحذاء في القصة إلا صورةٌ لذلك الشغف الساحر الذي يدعو صاحبه إلى التفرد والكمال، ثم لا يلبث أن يطالبه بثمنٍ أغلى يزداد فداحةً كلما اقترب من الغاية المنشودة.

 


إن تلك الرقصة التي تبدأ رغبةً وتنتهي ضرورةً ليست إلا حكاية العبقرية ذاتها؛ إذ كثيرًا ما يدخل المرء عالم الفن بإرادته، بدافع الشغف وحب الجمال، ثم ينتهي لاحقًا إلى أن ما ظنه طريقًا يسلكه قد صار قدرًا يسوقه. فيحسب أنه يملك موهبته، فإذ بالموهبة تملكه.


ومن هنا تكتسب «رقصة الحذاء الأحمر» معناها المأساوي؛ فهي ليست مجرد فصلٍ راقصٍ بديع، بل تمثيلٌ رمزي للعلاقة الغامضة بين الإنسان وموهبته، تلك العلاقة التي تبدأ وعدًا بالتحرر وتنتهي، في كثير من الأحيان، بصورةٍ رفيعة من صور العبودية المختارة. تشبه بطلتنا فيكي أبطال المآسي الإغريقية الذين لا يهلكون جراء عجزهم عن التوفيق بين قوى متعارضة تعارضًا مطلقًا داخل نفوسهم.

لم تكن فيكي أنانيةً تدفعها الرغبة في الاستئثار، ولا ضعيفةً تعجز عن حمل المسؤولية، وإنما هي مأخوذةٌ بطموحٍ يتجاوز حدود الممكن الإنساني، إذ تريد أن تحتضن المطلقين معًا: أن تمنح القلب للحب خالصًا لا شائبة فيه، وأن تمنح الروح للفن تامًّا لا نقص فيه، في آنٍ واحد، وإذ بالحياة تفاجئها بأنها لا تقبل أن تُقسّم بين كمالين لا يقبل أحدهما المشاركة.
حينما تستحيل الموازنة بين ما هو مطلق في الحب وما هو مطلق في الفن، لا يبقى أمام النفس إلا شكلٌ من الانهيار البطيء: إنهيار لا يأتي على هيئة سقوطٍ مفاجئ، بل يتسلل على مهل، كأنما هو نتيجةٌ طبيعية لثقلٍ لا تستطيع الطبيعة البشرية أن تحمله طويلًا.

 


 

المشاركات الشائعة