فاعلية تُقاس… أو قصور يُستبعد

 

 


إن الجماعات منذ فجر تاريخها ميالة إلى سحق الفرد وزجه في سجن القطيع. إنها تغرس في أبنائها الاطمئنان إلى المشابهة، وازدراء التفرد، إذ في ذلك شرط بقائها ودوام أمانها واستقرارها. غير أن لكل زمن طريقة في القهر، ولكل نظام أدواته في الإخضاع والمحق. 

يختص عصرنا بصورة غير مسبوقة من تأطير الفرد وزجه في سجن المجتمع، طريقة لا تقوم على القوة العارية، فلا تظهر سيفًا أو سوطًا، بل تنزع من المرء فرداته وتسلبه شجاعته نزعًا خفيًا. 

لقد كانت المجتمعات القديمة تكره المرء على الطاعة، وتجبره على الامتثال، بيد أنها لم تملك من الأدوات ما يحول بين الفرد والتمرد كما يمتلك العصر الحديث. لم تغلق العصور القديمة كافة الأبواب، بل تركت منافذ يتسلل منها إلى العزلة أو العصيان. وقد كان الخضوع آنذاك واضح المعالم، مكشوف الوجه: يعرف العبد سيده، ويعرف الجندي قائده، ويعلم الفقير مَن قهره، فتظل في النفس بقية من كرامة، ولو كانت كرامة الألم. أما اليوم، فقد أُزيلت هذه الحدود، وذابت الفواصل، فلم نعد نرى السلاسل، لكننا نحيا داخلها.

إن مجتمعات السوق المتوحشة لم تكتف بفرض الاجتماعية على الناس بالطبع، بل أتقنت فن التدجين بصورة غير مسبوقة، فحولت الخوف من الاستبداد إلى الخوف من الانقطاع. لم يعد الإنسان يُسأل: أأنت شجاع أم جبان؟ بل يُسأل: أأنت قابل للاستمرار أم قابل للاستبدال؟ فصارت الحياة كلها معلقة بخيط رفيع اسمه «العقد»، إن انقطع سقطت معه الأشياء جميعًا.

ومن هنا صارت الشجاعة ضربًا من السفه، وصار التمرّد نوعًا من الحماقة غير المحسوبة. فالإنسان الحديث لا يقيس أفكاره بمقياس الحق والباطل، بل بميزان القبول الوظيفي. ولا يزن كلماته بثقل الصدق، بل بخفة العواقب. فإن وجد للفكرة ثمنًا في السوق قالها، وإن خاف أن تُنقص من رصيده سكت عنها، ثم سمّى ذلك «نضجًا» و«واقعية».

ولقد ورث هذا النظام كافة آليات المجتمعات القديمة وحيلها التنسكية فبلغ مبلغًا من القوة جعلها قادرة على الاستغناء عن القهر الظاهر، فجعلت كل إنسانًا رقيبًا على نفسه، ومحاسبًا لضميره، وجلادًا لذاته، لا باسم مثل متعالية قد يجد فيها المرء ملاذًا لفردانيته، بل في صورة نظام متجسد دنيوي لا ينطوي على فهم ولا رحمة ولا مغفرة، بل يقيس صلاح المرء أو "انقطاعه" بمعيار "الوظيفية" والقدرة على الاستمرار ضمن سلسلة الإنتاج التي لا تنقطع. 


لقد صار الألم في عصرنا إداريًّا، وصار القلق منظمًا. إن الشجاعة، وهي نقيض كل ذلك، لا تنمو إلا في الصمت، ولا تحيا إلا في الفراغ، ولا تقوى إلا حين يكون السقوط ممكنًا. أما في عالمٍ يُقاس فيه الإنسان بإنتاجه، وتُوزن روحه بجداول الأداء، فلا مكان لشجاعةٍ لا تدرّ ربحًا. فانظر كيف انتهى حال الإنسان: يُقال له إنك حر، ثم يُبنى العالم من حوله بحيث لا يستطيع أن يكون إلا مدجنًا. يُدعى المرء منا إلى أن يكون ذاته، ثم يُعاقَب إن كانت تلك الذات غير صالحة للاستخدام. فالمجتمع لم يفرض فقط طبيعته القطيعية، بل صهرها في الخوف، حتى صار الانتماء والجبن شيئًا واحدًا، لا يُفرّق بينهما إلا من بقيت له بقية من جرأةٍ على الخسارة.

وهكذا، لا يريد هذا العصر أبطالًا ولا حكماء ولا حتى متمرّدين حقيقيين؛ إنما يريد موظفين مستقرين، بقلقٍ قابل للإدارة، وبضميرٍ مرن، وبشجاعةٍ مؤجلة.

ربما يقول قائل إن ما أصفه هاهنا ليس إلا تكرارًا مُمِلًّا لما كانت عليه الحضارة منذ نشأتها؛ وإن القطيع هو القطيع، والسيد هو السيد، والعبد هو العبد، وإن تغيّرت الأسماء وتبدّلت الصفات. غير أنّ هذا القول، على ما فيه من اتساق ظاهري، يُخطئ لب الموضوع، ويخلط بين التشابه في الصورة والاختلاف في الجوهر، وبين الاستبداد بوصفه قدرًا تاريخيًّا والاستبداد بوصفه نظامًا نفسانيًا كليًّا يتسلل إلى أعماق النفس ويستوطنها.

الحق أن القهر القديم، على ما كان فيه من شدة وبطش، لم يبلغ قط هذه الشمولية النظامية، ولم يمتلك من أدوات النفاذ ما يتسلّل إلى أعمق أعماق النفوس. لقد كان للإنسان، مهما ضاقت به السبل وتفرّقت به الأحوال، موضعٌ يقف فيه خارج النظام، أو على الأقل على تخومه. أمّا الاستبداد الحديث فليس واقعة تُقاوَم، بل مناخٌ يُعاش، وهواءٌ يُتنفَّس؛ لا يكتفي بأن يحيط بالإنسان من خارجه، بل يستقر في جهازه العصبي، ويعيد تشكيل استجاباته قبل أن تبلغ وعيه.

إنّ دهاء استبداد هذا العصر أنّه، على الرغم من دنيويّته الصِّرفة وعلمانيّته المتشدِّدة، لا يرضى بالجسد خاضعًا فحسب، بل يطالب بمشاركةٍ وجدانيّة، وتماهٍ داخليّ، وولاءٍ نفسيٍّ يتّخذ هيئة التدين الخالص، وإن خلا من الآلهة.

ألا ترى كيف لم يكن الفقر في العصور السالفة وصمةً أخلاقية مباشرة، بل قَدَرًا اجتماعيًّا أو إلهيًّا، يُحتمل أو يُلعن أو يُقاوَم. أما اليوم فقد صار الفشل الاقتصادي قرينة نقصٍ شخصي، ودليلًا على خللٍ في الذات. ولما كان هذا النظام استمرارًا لبنية العقاب الديني الذاتي الذي يعذب الأفراد بالذنب ويبقيهم في حالة أبدية من الدونية والنقصان أمام هذا المعيار الذي لا يستوفى. هاهنا تكمن القطيعة الكبرى: إذ تحوّل قهر هذا النظام الدنيوي من بنية خارجية إلى اتهام داخلي، ومن ظلم يُحتجّ عليه إلى ذنب يحس باطنيًا.

علاوة على ذلك، لقد كان الطغيان القديم كان متقطعًا. أما الطغيان الحديث فلا يعرف فتورًا؛ لأنه يعمل باسم الاستمرارية والإنتاج والكفاءة. إنه قهرٌ بلا عطلة، قهر يرافقك إلى بيتك، وإلى نومك، بل يخترق لا وعيك ويتبدى لك في أعمق أحلامك. والغالب أنه لا يدع لك لحظة فراغ واحدة تراجع فيها نفسك خارج منطقه. ومن لا فراغ له، لا شجاعة له؛ لأن الشجاعة ابنة التوقف، لا ابنة التسارع.

لقد أُدرج التمرّد نفسه ضمن النظام، وصار جزءًا من زينته، ومتنفّسًا محسوبًا لا يهدد شيئًا.

إنّ المجتمعات القديمة، على قسوتها، كانت تعترف بوجود قيم تعلوها، أو آلهة تحاكمها، أو مصائر تتجاوزها. أما النظام الحديث فلا يعترف إلا بذاته، ولا يحتكم إلا إلى منطقه، ولا يمنح مهزوميه حتى عزاء الميتافيزيقا. إنه لا يقول لك: اصبر، ولا يقول: هذا ابتلاء، بل يقول: أنت غير صالح، أنت فائض، أنت قابل للاستبدال.

لقد جاء عصرنا بما لم تأته العصور قبله، إذ نقل بنية المحاسبة من سماء الدين إلى أرض الاقتصاد، ومن باطن الضمير إلى احصاءات الإنتاج. فصار الإنسان يُفَتِّش عن ذنبه لا في مخالفته لأمرٍ إلهي، بل في قصوره عن الفعالية، ويُقَوِّم نفسه لا بميزان الخطيئة والتوبة، بل بمعيار الأداء والجدوى. وكان المرء قديمًا يقف بين يدي الله، أو ممثليه الأرضيين، خائفًا من الحساب، أما اليوم فإنه يقف وسط السوق مرتعدًا من التقييم. فحلّ الاقتصاد محل اللاهوت، وتقمّصت الفعالية هيئة الإله، وصار الإنسان مذنبًا لا لأنه أساء، بل لأنه لم يُنتج بما يكفي، ولا لأنه انحرف عن الحق، بل لأنه تأخر عن الوتيرة المفروضة. وهكذا تحوّل الضمير إلى أداة محاسبية، وصار القلق عبادة، والعمل كفّارة، والانقطاع عن الإنتاج خطيئة لا تُغتفر.

لقد قتل عصرنا الآلهة، لكنه أبقى على الذنب، وجعله أكثر تجريدًا، وأقلّ قابلية للخلاص. لم يعد الإنسان مذنبًا لأنه مذنب، بل لأنه غير كفء. لم يعد يُلام لأنه عاصٍ، بل لأنه لم يبلغ المستوى المطلوب من الفعالية.

إننا نقيم في قلب عدميّةٍ مُصِرّة على الإبقاء على البنية العقابيّة للدين بعد انهيار قيمته. فمع أفول الآلهة لم يأفل الحساب، ومع تلاشي المعنى لم تنتهي الإدانة. ولم يعد الإنسان يُدان أمام مطلقٍ متعالٍ، بل أمام معيارٍ لا نهائي، منزوع الرحمة والغاية: معيار الأداء. وبهذا المعنى، صار الذنب الحديث أفظع من الذنب الديني، لأنه لا يمنح الإنسان حتى شرف الخطأ. الخطأ يُفترض إرادة؛ أما العجز، فوصمة وجودية. أنت لا تُدان لأنك اخترت الشر، بل لتخلفك عن معيار الصلاح.

لقد اقتحم الاقتصاد الحيّز النفسي الذي كان الدين يستوطنه، فحلّ محلّ الضمير اللاهوتي بضميرٍ محاسبي، وصار الإنسان مشروعًا مفتوحًا على التقييم الدائم، لا يكتمل اكتمالًا يُعتدّ به، ولا ينال إعفاءً يُستراح إليه. أمّا السوق، وقد ورث سلطة الإله دون رحمته، فلا يعرف غفرانًا، ولا يعترف بخطيئة قابلة للمحو، بل لا يرى إلا فاعلية تُقاس، أو قصورًا يُستبعد.




المشاركات الشائعة