الصناعة والمزارع الحر: تأملات في الحرية الأمريكية

 "أظن أن دولتنا ستبقى فاضلة قرونًا مديدة ما دامت زراعية، وذلك ما دام في أرض أمريكا مواضع خلاء. فإذا تراكم الناس بعضهم فوق بعض في مدن عظيمة كما في أوروبا، فستفسد كما فسد حال أوروبا."
          ― توماس جيفرسون

يرى المؤرخ جوردون إس. وود أن جميع الآباء المؤسسين قد مروا بمراحل متأخرة من الإحباط السياسي بسبب التباين المحقق الذين شهدوه بين مثل الجمهورية وواقعها. كان لدى الآباء المؤسسين رؤية عظيمة لمستقبل أمريكا، قائمة على قيم الحرية والمساواة والحكم الذاتي. ولكنهم أدركوا سريعًا أن هذه القيم غير قابلة للتتحقق بالكامل وفق التصورات الطوباوية التي آمنوا بها. من بين القضايا التي تشهد على نزوعهم إلى التفاؤل بشأن المستقبل اعتقاد الجيل الأول في فناء العبودية الطبيعي كحتمية للتطور الاقتصادي، وتوهمهم بأن العبودية نظام غير فعال سيفنى مع الوقت. وهو الأمر الذي دفعهم إلى استثناء الحلول الفوقية التي كانت مستحيلة التنفيذ في وقتهم. إن رفض واشنطن وآدامز وجيفرسون وماديسون العبودية من حيث المبدأ حقيقة قلما تذكر، لكن الحقيقة التاريخية أنهم وإن كان بعضهم من مالكي العبيد، الذي كان أمرًا شائعًا في زمانهم، قد أقدموا على ممارسات مناهضة لمبادئها إما بشكل محدود على الصعيد الشخصي (تحرير بعض العبيد في حالة واشنطن، وعدم امتلاك عبيد من الأساس في حالة آدامز)، أو على الصعيد الاجتماعي كما في حال جيفرسون وماديسون وهاملتون وبنجامين فرانكلين. 

شهد الجيل الأول من مؤسسي أمريكا صراعًا حادًا حول الشكل الأمثل للجمهورية الناشئة، رغم اتفاقهم على المبادئ الجامعة التي أسسوا عليها دولتهم. فقد تباينت الرؤى بين فريقين رئيسيين اتفقا على ضرورة الاستقلال والحرية، لكنهما اختلفا في الوسائل والمُثُل التي ينبغي تبنيها لبناء الدولة. رأى حزب الفيدراليين، الذي ضم نخبة من القادة المثقفين والتكنوقراطيين، في النموذج الإنجليزي التجاري المركزي—الذي كان يشكل الأساس للازدهار الصناعي في بريطانيا— مصدر إلهام لدولتهم الوليدة. هؤلاء الفيدراليون، مثل واشنطن وهاملتون وآدامز وجون جاي، دعوا إلى حكومة مركزية قوية قادرة على فرض النظام، ودعم التجارة، وتنظيم الاقتصاد، وتشجيع التصنيع، معتبرين أن الدولة بحاجة إلى بنية قوية تضمن أمنها واستقرارها السياسي والاقتصادي. إن تمسكهم بالثقافة الإنجليزية وتقاليد الحكم المؤسساتي والنخبوية جعل خصومهم يصفونهم بـ«الملكيين» و«الأرستقراطيين» الذين يحملون بذور النظام القديم، معتقدين أنهم ينتمون إلى بقايا النظام الملكي البريطاني الذي حاربوا ضده. على الجانب الآخر، كان هناك خصوم الفيدراليين، الذين اتسموا بتنوع ميولهم السياسية بين الشعبوية واللامركزية، لكنهم اجتمعوا على رفض أي شكل من أشكال السلطة المركزية التي يمكن أن تكرس سيطرة نخبة بعينها أو تفرط في سلطة الحكومة على الولايات. هؤلاء المعارضون، الذين أصبحوا يُعرفون بالـ«ديمقراطيين الجمهوريين» أو «اللامركزيين»، تمسكوا بقوة بسيادة الولايات وحقوقها، ورأوا أن الحكومة يجب أن تكون صغيرة، محدودة الصلاحيات، تخدم مصالح المواطنين المحليين، وتتفادى خطر العودة إلى أشكال الحكم الاستبدادي التي عهدوها في النظام الملكي البريطاني.

هكذا، لم يكن الصراع مجرد خلاف سياسي، بل كان تعبيرًا عن رؤية متباينة لماهية الحرية والحكم، حيث ارتبط الفيدراليون بفكرة الاستقرار والنظام والتقدم الاقتصادي عبر حكومة مركزية، بينما انحاز خصومهم إلى قيم الحكم الذاتي والحرية المحلية ومقاومة السلطة المركزة، ما مهد الطريق لصراع سياسي وفكري أثر في تاريخ الولايات المتحدة لقرون لاحقة.

في هذا السياق، برز توماس جيفرسون كأبرز زعماء التوجه المعادي للفيدرالية المركزية. عاش جيفرسون في جيل شهد حقبة حرجة من التحولات الاقتصادية الكبرى، حيث كانت الثورة الصناعية تتسلل ببطء إلى الأفق الاقتصادي العالمي. وعلى الرغم من أن جيفرسون لم يكن ملمًّا بكثير من تفاصيل الاقتصاد، حتى أن واشنطن كان يطلب من هاملتون تبسيط رؤيته له، ظل يعارض هذه الرؤية طوال حياته، لم يتوان 
جيفرسون  لحظة عن الاعتقاد بارتباط المركزية وتضخم التجارة والتصنيع بخسارة الحرية وموت المثل الأمريكية. أما هاملتون، على النقيض، فكان يؤمن بأن قوة الدولة تتجلى في اقتصاد صناعي متين وقوي، وعليه، فقد سعى إلى بناء نظام مالي مركزي، وإقامة بنك وطني، وتحفيز التصنيع والتجارة، مستفيدًا من فهمه العميق لكيفية تنظيم المال وتدفق الثروات. كما كان هاملتون ملمًا بمبادئ التمويل العام وإدارة الدين، وهو ما مكّنه من وضع أسس مالية قوية لولايات المتحدة الوليدة.

في هذه الحقبة، مثّل حزب الفيدراليين المحافظين، الذين يمكن اعتبارهم يمينيين نظرًا لميولهم السلطوية سياسيًا والمحافظة ثقافيًا، نموذجًا معاكسًا لجيفرسون وحزبه الأكثر شعبوية، الذين يمثلون نموذجًا يُمكن وصفه باليسار (الأوصاف هنا تقريبية فقط)، لمناصرتهم نماذج ثقافية أكثر تحررًا وارتباطهم بتصورات أشمل عن التمثيل السياسي.

بهذا التباين كان الصراع السياسي والاجتماعي في ذلك الزمن مرآة لصراع أعمق بين رؤى متباينة عن الحرية، والحكم، والاقتصاد، وهو ما أسس للفروقات التي ما زالت تلقي بظلالها على الحياة السياسية الأمريكية حتى اليوم.

أبدى جيفرسون في مراسلاته وكتاباته فهماً جيداً لنشوء المصانع والاقتصاد المبني على الأجور والعمالة الميكانيكية، ولكنه كان يحمل في نفسه مخاوف جمة من عواقب هذه الظاهرة. فقد كان يؤمن بأن العمود الفقري للأمة الحرة يجب أن يكون “المزارع المستقل”، ذلك الفرد الذي يملك أرضًا يقوم عليها بنفسه، لأنه بذلك يحافظ على فضيلة الاستقلال، ويُشكّل اللبنة الأساسية للمجتمع الجمهوري القائم على الحرية والمساواة. أما الرأسمالية الصناعية، فقد رأى فيها تهديداً لتلك القيم، حيث تُفضي إلى نشوء طبقة عاملة تعتمد على الأجور، طبقة تُعرض نفسها للاستغلال، وفي المقابل، صعود طبقة أخرى تتركز فيها الثروة والسلطة، وذلك، بحسبه، يقوّض مُثُل المساواة الديمقراطية والحرية الفردية. لقد خشى جيفرسون أن تؤدي هذه القفزة الاقتصادية إلى فساد سياسي واجتماعي، وإلى تآكل الفضائل المدنية التي اعتبرها جوهر الأمة الحرة.

من المفارقات، أن النموذج المحافظ الفيدرالي استحال مع الوقت يسار أمريكا من الناحية الثقافية، إذ أفضى تصاعد التصنيع والتجارة إلى تحرر الشمال من العديد من المؤسسات الاجتماعية التقليدية. فتصاعد التصنيع والتجارة في الشمال الأمريكي، اللذين كانا بدايةً مناهضين للنموذج الزراعي المحافظ الذي دافع عنه جيفرسون وأتباعه، أسفرا عن تحرير المجتمع الشمالي من قيود العديد من المؤسسات الاجتماعية التقليدية. إذ فتحت الثورة الصناعية آفاقًا جديدة في الفكر والعلاقات الاجتماعية، وسمحت بتشكّل قيم ومواقف جديدة، تميل إلى التحرر الاجتماعي والمساواة والتحديث الثقافي، على عكس المحافظة الاجتماعية التي كانت سائدة في الجنوب الزراعي. وهكذا، فإن تحوّل الشمال من اقتصاد زراعي محافظ إلى اقتصاد صناعي تجاري، لم يكن مجرد تغيير اقتصادي فقط، بل كان انطلاقة نحو تحديث ثقافي وفكري، أوجد ديناميات جديدة في المشهد الأمريكي، تغايرت مع الأصول المحافظة للنموذج الفيدرالي القديم.

على النقيض من التحول الثقافي لشمال الولايات المتحدة، شهد الجنوب الأمريكي، الذي كان بؤرة النزعة الثورية بقيادة توماس جيفرسون، مسارًا مختلفًا في تطوره السياسي والثقافي. ففي حين كانت أفكار جيفرسون تُنادي بالحرية، واللامركزية، والاستقلال الزراعي، تحولت هذه النزعة الثورية عبر العقود إلى مكون أساسي ليمين أمريكا السياسي.

كان الجنوب، الذي ارتكز اقتصاده على الزراعة والتملك الخاص للأراضي، يرى في نفسه حاميًا للمبادئ الجمهورية التي جسدها جيفرسون، والتي رفضت المركزية والسلطة الفيدرالية المفرطة، واعتبرت الاستقلالية الفردية والحقوق المحلية خطوطًا حمراء.

مع تقدم الزمن، تحولت هذه المطالب إلى دفاع عن المحافظة الاجتماعية والسياسية، وخاصة في ظل الصراعات حول الرق والعبودية، وحقوق الولايات والتقاليد الثقافية التي كانت عميقة الجذور في المجتمع الجنوبي. وبالنتيجة، غدا الجنوب مناصرًا للهوية المحافظة، ورافضًا للتغييرات الاجتماعية والثقافية التي جاءت من الشمال. يُستنتج من مجمل هذا السجال أن الولايات المتحدة وُلدت وهي تحمل في رحمها صراعًا بنيويًا بين نموذجين متباينين للحرية والتنظيم السياسية. فهناك حرية تُجسّدها صورة المزارع المستقل الذي يحيا على أرضه ويستمد فضيلته من استقلاله الذاتي، ورؤية أخرى ترى مستقبل الجمهورية في التصنيع والتجارة والتطور التقني وبناء دولة مركزية قوية قادرة على ضبط الفوضى وضبط الاقتصاد. 




المشاركات الشائعة