أطلال النظام البروسي

 
«تكمن مشكلة الإنسانية أنها واقعة تحت وطأة مشاعر تعود إلى العصر الحجري القديم، ومؤسسات تعود إلى العصور الوسطى، وتكنولوجيا تكاد تبلغ مستوى القدرة الإلهية.»
              — إدوارد أوسبورن ويلسون


لعلّ ويلسون لم يُصِب تمام الإصابة حين وسم مؤسسات عصرنا بالقروسطية وفق تحقيبٍ تقليدي يُوهم بانقطاعٍ حادٍّ بين “عصورٍ وسطى دينية” و“حداثةٍ عقلانية”، ويغفل ما بينهما من ارتباطٍ عميقٍ وتداخلٍ عضويّ. فإذا أمعنا النظر في هذه الهوة المصطنعة، بدا لنا أنّ مؤسساتنا لا تنتمي إلى زمنٍ انقضى، وإنما تقوم على تخومٍ يتعانق فيها القديم والحديث.

ومن أجلّ الأمثلة وأشدّها مساسًا بحياتنا جميعًا: نظامُ التعليم الحديث، ذلك النسق الذي يستولي على أعمار الناس منذ نعومة أظفارهم إلى سنّ الرشد، والذي قد يتطاول ظله على سنواتٍ أُخَر لمن راموا الدرجات الأكاديمية العليا. وليس هذا النظام—في بنيته وتقسيمه للزمن، وفي هيئة مؤسساته—إلا ثمرةَ نشأةٍ تاريخيةٍ ترجع إلى دولة بروسيا، حيث سعت إلى صوغ الإنسان صوغًا يجعله صالحًا لوظائفها: موظفًا مُنقادًا في مؤسساتها، أو جنديًّا مُطيعًا في جيوشها.

وقد بلغ هذا المسلك أوجه إبّان ما أفضت إليه الحروب النابليونية من هزّاتٍ عنيفة حينما أيقنت النخبة البروسية الحاكمة أنّ بقاء الدولة لا يُصان بالقوة العسكرية وحدها، بل بانضباط عقول المواطنين، وترويض نفوسهم على الطاعة. فأخذ رجال الإصلاح على عاتقهم مهمة إعادة تهيئة التعليم تهيئةً تخلق منه معملًا لتشكيل الإنسان.

فلم يُنشأ التعليم ليُطلق الفكر في مداه، بل ليُقوِّمه ويضبطه، ويُدخله في نسقٍ مستق من الطاعة المُقنَّنة؛ فتأسست المدرسة حينذاك كأنها ثكنةٌ مدنية: يُجزَّأ فيها الزمن إلى حصصٍ كما تُجزَّأ ساعات تدريب الجنود، ويُراقَب فيها الجسد كما يُراقَب العقل، ويُقاس فيها النجاح بقدر الامتثال للقواعد.

ثم انتقل هذا النموذج لاحقًا من دولة بروسيا إلى سائر أنحاء أوروبا، حتى بلغ الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، حيث تلقّفه مصلحون من أمثال هوراس مان، فرأوا فيه آلةً لصناعة المواطن الصالح المنضبط، بيد أنهم غيّروا بعضًا من غاياته ليلائم روح المجتمع الجمهوري وروحه الديموقراطية.

يفضي النظر في وقائع هذا الأمر إلى تبيّن أنّ هذا النظام لم يُصمَّم لإطلاق الأفراد في فضاء الحرية بقدر ما صُمِّم لإعدادهم للاستخدام داخل آلةٍ أعظم: آلة الدولة الحديثة، التي تحتاج إلى موظفٍ يُحسن الامتثال.

وقد صُقِل هذا النظام لاحقًا في سياقات متبانية على مثال العصر الصناعي، ليُخرِج عمّالًا لمعامل الحديد، وبيروقراطيين لإدارة التعقيد الإداري، ومواطنين أوفياء للدولة القومية. غير أنّ العالم الذي صُنع له هذا القالب قد تبدّل، بل انقلبت شروطه رأسًا على عقب.
 
فاليوم، تتقدّم الكيانات العابرة للحدود، ويبرز الذكاء الاصطناعي، وتنساب شبكات الإنترنت، بسرعات تفوق معظم الحكومات، ويتعاظم نفوذها فوق نفوذ مؤسساتها التقليدية. أمّا المهارات التي غدت مدار القيمة—كالتكيّف مع التغيرات السريعة، والتعلم الذاتي، وابتكار الأدوات التقنية—فليست بالضبط ما أُقيم عليه بنيان النموذج البروسي، ولا مما دُبِّر له في الأصل.

فغدا النظام التعليمي الرائج، لا متقادِمًا فحسب، بل مُناقضًا لروح العصر في كثيرٍ من وجوهه. لا زالت الدول تزج مواطنيها مدة تكاد تقارب العشرين سنة في قاعاتٍ دراسيةٍ يغلُب فيها الحفظ على الفهم، والامتثال على الإبداع، بينما يكافئ الاقتصاد الحيّ أولئك الذين التقطوا مهاراتهم خارج أسوار هذا السجن العتيق.

تتجلّى الأثار المدمرة لهذا النظام أكثر بلدان العالم الثالث؛ حيث لا تقوم المؤسسات التعليمية بدورها بفعاليةٍ تُذكَر، ولا تُفضي مخرجاتُها إلى جدوى حقيقيةٍ في السوق العالمي. فهناك يغدو التعليم—في كثيرٍ من صوره—ضربًا من التسويغ الاجتماعي لتبديد ثُلث العمر في مسارٍ مُطوَّل، لا يُثمر كفاءةً ولا يضمن كرامةً.

ومن ثمّ، فإنّ الفجوة التي نعاينها ليست طارئةً عابرة، بل هوّةٌ تتّسع باطراد: دولةٌ قوميةٌ لا تزال تُلبِس أبناء القرن الحادي والعشرين ثوبًا تعليميًّا نُسِج في القرن التاسع عشر.

وإذا نظرنا إلى صورة العالم الأوسع، بدا لنا أنّنا بإزاء بنيةٍ تُذكّر—في تعقيدها—بالعصور الوسطى: مراكز قوى متراكبة، وسلطات متداخلة، وسيادةٌ لا تنحصر في رقعةٍ جغرافية. كما كان في أوروبا الوسيطة سلطانٌ موزّع بين الكنيسة الكاثوليكية والملوك والنقابات وأسر النبلاء، كذلك نشهد اليوم دولًا قوميةً تُزاحمها قوى عابرة للحدود.

فها هي شركات التقنية الكبرى تؤسس إمبراطورياتٍ رقمية تُدير فضاءاتٍ يفوق جمهورُها جمهورَ دول كاملة. وتبرز المنصّات التسويقية فتغدو أسواقًا كونيةً وساحاتٍ للنفوذ لا تخضع لسيادةٍ واحدة. وتنهض شبكاتٌ تجارية لامركزية تُدار وفق منطق منافٍ لقيود الاقتصاد المحلي. كلّ ذلك يحدث في “جغرافيا سحابية” لا تُقاس بالحدود والمعاهدات التي تمليها، بل بالاتصال والنفوذ، على نحوٍ يُذكّر بامتداد الكنيسة عبر الممالك. في هذا العالم تتفرّق الولاءات، إذ تهيمن جماعات رقمية، وهوياتٌ افتراضية، ومنصّاتٌ تستولي على وجدان الأفراد أكثر مما تعرضه سرديات أي كيان سياسي. هكذا، بالتبعية، يتصدّع نموذج وستفاليا، الذي أقام الدولة القومية على سيادةٍ واضحة وحدودٍ صارمة، ليعود العالم—لا إلى ماضيه بعينه—بل إلى صورةٍ تُشابهه في التركيب: نظامٌ مُجزّأ ومتراكب، تتقاطع فيه السلطات وتتنازع المرجعيات.
في هذا السياق، يتفكّك أيضًا ذلك المركّب البروتستانتي–البرجوازي الذي نشأ مع الإصلاح البروتستانتي؛ إذ تتآكل فكرة الفرد السيّد على نفسه حين تغدو الإرادة نفسها موضوعَ تشكيلٍ خفيّ، تُديره خوارزميات تُحصي وتُوجّه، وتبهت عقيدة التقدّم الخطيّ حين تُكافئ المنصّاتُ الظهورَ لا الجهد، والانتشارَ لا الإتقان. وتبهت قيمة المسؤولية الشخصية حيث يُصاغ الفعل قبل أن يُختار.

يتبيّن للناظر أنّ المعجم الأخلاقي والسياسي الذي ورثناه لم يَعُد كافيًا لوصف عالمٍ تبدّلت فيه كافة الشروط، وتغيرت فيه بنية القرار، وتداخلت فيه حدود السلطة. فنحن على أعتاب طورٍ “ما بعد بروسيّ”، يتجاوز الحداثة ولا يملك بعد لسانًا يُفصح عنه.



المشاركات الشائعة