في أصل الصرامة البروسية

 

 إن مذهب البروتستانتية في الإصلاح—وإن قصد تخليص الضمائر من أثقال الكهنوت—قد ألقى بالعبء كلّه في جوف الإنسان، فحوَّل نفسه صومعة، وجعل من ضميره قاضيًا. بالتبعية، غدا الراجل يفتش عن يقينه في حياته، فلا يرى عملًا إلا ارتاب في أصله، ولا يطمئنّ إلى طاعةٍ إلا وخشي أن تكون نقصًا، وغدا يتصيد علامات الصلاح في عالم الأعمال الدنيوية المتقلب. وعليه، أضحت التقوى جهادًا نفسيًا بلا هدنة، ونزاعًا دائمًا بلا سلام. ثم جاءت التقويّة (Pietism)، فلم تكتفِ بإقامة الدين في القلب، بل ألزمت صاحبَه أن يُقيم عليه الشواهد في كل حركة وسكون، وأن يخرِّج ما في نفسه، وما يمليه عليه ضميره، في صورة سلوكٍ منظور، ونظامٍ مضبوط محكم، كأنّ النفس ديوانٌ لا بدّ له من سجلٍّ وحساب ظاهر. ونتيجةً لذلك، اشتدّ سلطانُ الضمير، واستحكمت قوته، حتى انتقل المرء من حال الرقيبٌ على نفسه إلى حال الجلّاد. وفي هذا المضمار المضطرب، جاءت الدولة العقلانية الحديثة فوجدت في هذه النفوس المكدودة، والضمائر المرهقة، مادّةً طيّعةً. 

نقلت الدولة مضمار الانضباط من الضمير إلى الديوان، ومن المحراب إلى النظام، وصارت الطاعة التي كانت لله تُرى في طاعة السلطان، والنظامُ الذي طُلِب للنجاة يُلتمس في قوانين الدولة. ثم أقبلت الفلسفة العقلانية، فجاءت بلسانٍ غير لسان الدين، ولكنّها حملت روحَه؛ فسمّت النظام ضرورةً، والطاعةَ عقلًا، والترتيبَ حكمة، ونزعت عن ذلك ثوب القداسة لتلبسه ثوب البرهان. غير أنّ الجوهر لم يتبدّل، بل بَقيت تلك الرغبةُ في إخضاع العالم لقانونٍ صارم  قائمةً في ثوبٍ جديد.

فإذا نظرتَ إلى حال دولة بروسيا، رأيتَ عجبًا من هذا الائتلاف: ضميرٌ قد ضاق بنفسه حتى التمس الخلاص في النظام، وتقوًى أفرطت حتى صارت عادة النفس، وعقلٌ تجبّر حتى صار قيدًا على الحواس. في هذا السياق، أضحت الدولة كأنّها نفسٌ تقيّة تَضَخّمَت، أو ضميرٌ أُخرج إلى العالم. فغدت قوانينُها أخلاقًا، ودواوينُها سجلاتُ حساب، وجيشُها نظامُ رهبان قد استبدل الأناجيل بالسيوف.

كانت الروحُ العسكرية في بروسيا تتمة هذا الصقل الديني للروح الألمانية البروتستانتية: خاتمةُ فصولٍ استهلت مسيرتها بالبروتستانتية، واشتدّت بالتقويّة، وتحققت بالعقلانية، ثم أفضت إلى هذا الطابع العسكري الحازم الذي جعل كلمة بروسيّ مرادفًا للانضباط والصرامة.

إن البروسيين قد ألفوا مراقبة الضمير، واعتادوا محاسبة النفس، فجعلوا من الطاعة فضيلة، ومن الانضباط والصرامة أخلاقًا، ومن النظام خلاصًا، فرأوا في الإدارية الحديثة والجندية غاية الروح وتتمة فضائلها. فالجنديّ عندهم لم يكن حاملَ سلاحٍ فحسب، بل كان صاحب خُلُقٍ، ورجل نظامٍ، ومثالًا لما ينبغي أن يكون عليه المرءُ من دقّةٍ وإذعان. لقد كان المعسكرُ مدرسةً للأخلاق، والثكنةُ العسكرية محرابًا من نوعٍ آخر، تتلى فيه كتبُ الطاعة بدل كتب الصلاة، وتحل فيه شعائر الانضباط محل شعائر التعبّد. حتى كأنّك ترى الرتبَ مراتبَ، والأوامر فرائض، والخروج عليها ضربًا من الكفر الذي لا يُغتفر. ولم يكن ذلك ليقع لولا أنّ النفوس قد تهيّأت له، والطباع قد أُلِفت بما تقدّم ذكره من تربيةٍ باطنةٍ شدّدت على الصرامة ومحاسبة النفس وتقييد الضمير.



المشاركات الشائعة