قراءة في فكر جوزيف دو ميستر: العصمة كإسمنت للبنيان السياسي

 


أفرد الكونت، جوزيف دو ميستر، في كتابه عن البابوية فصلًا سماه «القياسات المأخوذة من السلطان الزمني»، ناقش فيه العلاقة الجوهرية بين السلطة الزمانية والسلطة اللاهوتية، من حيث الحاجة إلى مركز قرار نهائي، به تقوم السلطة وتستمد معناها. وفي هذا الفصل استخلص حجّةً من طبيعة الاجتماع الإنسانيّ على ضرورة وجود رئيسٍ واحد في الدين كما هو في الدنيا، إذ لا يُستقيم أمر الأمم إلا بفيصلٍ حاسمٍ يُنهي النزاع وتستقر عنده الخصومات في الرأي والفعل.

فحجّته تقوم على أنّ ترك الإنسان لأهوائه، وترك كلّ فريقٍ لرأيه الخاص، وترك كلّ مجلسٍ لحكمٍ لا يُنقض، يؤدي حتميًا إلى تفكك الكلمة، واضطراب الأمر، وتحول الحقّ إلى تابعٍ للقوّة لا للحجّة، وللسيف لا للقلم. وهكذا تسقط فكرة القانون، وتستحكم الحرب، ويجسّد هذا ما سمّاه هوبز حربَ الكل ضد الكل. وبحسب دو ميستر، كما أنّ المدينة لا تقوم إلا بسلطانٍ تكون كلمته الأخيرة، ولا يُستأنف على حكمه، كذلك الكنيسة — وهي عنده مجتمعٌ أرفع من الدولة — لا بدّ لها من رأسٍ عنده المنتهى، فتستقر الأحكام بقراره.

ويشبّه دو ميستر المجامع الكنسيّة بالمجالس النيابية في الدول، فيقول: إنّ المجلس، وإن عظم عددُه، فإنه ينعقد بإذن، ويُضبط بقانون، ويحتاج إلى من يُمضي مقرّراته ويُعطيها صفة النفاذ. فلو صار المجلس هو السيد المطلق، فمن يجمعه؟ ومن يحكم على صحّة انعقاده؟ ومن يقطع النزاع إذا اختلف الأعضاء؟ وإذا قيل: يحكم بعضهم على بعض، قيل: فمَن يحكم على الحاكمين؟ وهلمّ جرًّا.

ومن هذا الإشكال استنتج دو ميستر أصلًا ضروريًّا، وهو أنّ كلّ سلطانٍ أعلى يجب أن يُعامل معاملة «المعصوم»؛ ليس لأنّه لا يخطئ، بل لأنّ فتح باب الاعتراض عليه لن يُغلق أبدًا، ولأنّ الطعن في حكمه إذا صار قاعدةً، تتحوّل الدولة إلى رأي بعد رأي، ويضيع موقع القرار. فالرئيس قد يزلّ، والقاضي قد يُخطئ، لكن حكمهما نافذ، لأنه لا مرجع بعدهما. وكذلك شأن البابا: قد يكون بشرًا من البشر، ولكن منصبه يقتضي أن يكون قوله خاتمة الأقوال.

والمهم في هذا الصدد أن يُفهم أنّ دو ميستر، بطريقة أو بأخرى، «يُسَيِّس» اللاهوت؛ فلا يأتي بفكرة وحدة الكنيسة من مجرد أمر سماوي أو غيبي، بل يستمدّ ضرورة البنية العقدية للكنيسة من الضرورات السياسية والاجتماعية التي تحكم كلّ جماعة بشرية. فالسلطان في الكنيسة، والسلطان في الدولة، والهيكل في المجتمع، جميعها تُنظّمها قاعدة واحدة: لا دوام للوحدة بلا مركز يُقرر، ولا استمرارية للحقيقة دون ضابط ظاهر يُرسخها. وهكذا يصبح اللاهوت خاضعًا لضرورات النظام، لا منفصلًا عن السياسة والاجتماع، إذ تُستعار الهيكليات العقدية من هندسة السلطة، ويُثبت مركز القرار ليُجنّب الأمة والتاريخ فرقة النزاع.

ويخفي هذا البيان أصلًا كليًّا، وهو أنّ كل جماعة تحتاج إلى كلمة أخيرة، وإلا طال النزاع وتحول الخلاف إلى عادة، وصارت كل مسألة جدلًا لا نهاية له. فالحقّ، عنده، يحتاج إلى مفسّرٍ أخير، كما يحتاج الحكم إلى قاضٍ لا يُستأنف عليه. وفي هذا الصدد، يصف سيوران فلسفة دو ميستر قائلًا: «لقد أشاح عن التقاء العزلة البشريّة بالعزلة الإلهية، وانفتح في مسائل الدين أكثر مما انفتح على مآسي الإيمان، ورغب في أن ينشئ بيننا وبين الإله علاقات قانونية لا خصوصية، وانطلاقًا من ذلك ركّز أكثر فأكثر على القوانين... مختزلًا الدين في مجرد إسمنت للبنيان السياسي وفي الوظيفة الاجتماعية التي ينهض بها».

ويظهر البعد المصيري في فكر دو ميستر: فالقرار الذي لا يُردّ ليس مجرد شكل إداري أو بروتوكولي، بل شرط الحياة نفسها، كما في الدولة كذلك في الدين؛ فإذا انكسر القرار الأخير، تفرّق الشعب، وضاع الحق، وصار التنظيم هرجًا وفسادًا. وهذه البنية المصيرية تجعل السلطة حية، والحق صامدًا، والمجتمع متماسكًا.

وهذا يقودنا إلى موازاة أفكار دو ميستر مع ما بلغه لاحقًا المفكر الألماني كارل شميت، الذي أعلن أنّ السيادة هي القدرة على القول الفصل في حالة الطوارئ، وأن من يملك القرار النهائي في اللحظة الحرجة يثبت سلطة القانون. بيد أنّ دو ميستر سبق شميت تاريخيًا في هذا الصدد، إذ جعل مركز القرار ضرورة وجودية لكل جماعة، ليستمرّ النظام مهما علت الفوضى، ويثبت وحدة الكنيسة كما تثبت وحدة الدولة.

وتقوم الحجة الأولى على إدراك عميق لطبيعة السلطة نفسها: فالسلطة لا تستمد أصلها من القوانين أو الإجراءات البروتوكولية التي تصدرها المجالس أو المجامع، بل تحتاج إلى مرجعية خارجية تؤسسها وتمنحها صفة الاستقرار والشرعية التي لا تتزعزع. فالقانون وحده، مهما علا شأنه، لا يخلق السلطان؛ فاللوائح والتراتيب والإجراءات ما هي إلا أدوات تنفيذية، لا أصلًا وجوديًا للسلطة.

في هذا الصدد، يُصرّ جوزيف دو ميستر على أنّ السلطان الروحي والمجمع الكنسي لا يصيران قاطعين إلا إذا توفرت لهما المرجعية العليا، وهي سلطة البابا الذي يمثل كلمة الكنيسة النهائية. فالمجامع والاحتشاد الأسقفي، مهما عظمت أعدادهم أو اتسع نفوذهم، لا ينتج سلطة حقيقية بقدر ما يشارك في تطبيقها، لأن القوة المعنوية للقرار لا تأتي من الاجتماع أو العدد، بل من الربط بمركز وحدة أعلى يمنح الحكم قوته ويضفي عليه صفة الإلزام. وبدون هذا الأصل، يصبح المجلس أو المجمع مجرد آلة ناطقة بلا روح، وجسد بلا رأس، كما يصف دو ميستر بعض المجامع.

وهنا نجد سابقة تاريخية لأفكار كارل شميت في تفسير السيادة: فالسيادة ليست مجموع القوانين أو الإجراءات الإدارية، بل هي القدرة على قول الفصل في اللحظة الحرجة، وتقرير السلطة المطلقة في حالة الطوارئ. فالشريعة أو القوانين ليست أصلًا للسلطة، بل تتوقف على من يمتلك الحق في تطبيقها وإيقافها وتقريرها. فالسلطان الحقيقي، عند شميت، هو من يملك القرار النهائي الذي لا يقبل الطعن أو الاستئناف، وهو ما يوازي تمامًا عند دو ميستر سلطة البابا كمرجع نهائي في الكنيسة.

وباختصار، كلا الفيلسوفين، رغم اختلاف السياق والزمان، يؤكدان أنّ السلطة بحاجة إلى أصل خارجي يثبتها؛ فالقوانين والإجراءات ما هي إلا أدوات تنفيذية، وبدون وجود هذا الأصل الذي يقر بالسلطة ويضفي عليها صفة القرار النهائي، تصبح السلطة هشة، والقانون مجرد نصوص بلا وزن، والتنظيم الاجتماعي أو الديني معرض للتفكك والاضطراب. وهكذا تتضح البنية العميقة للسلطة: قرار واحد، ومركز واحد، وأصل خارجي يضمن الحسم والدوام، وقوانين وإجراءات تابعة. فالسلطة لا تصنع نفسها بنفسها، بل تستمد شرعيتها من مركز أعلى يثبتها ويمنحها القدرة على تقرير الأمور، سواء في الدولة كما يرى شميت، أو في الكنيسة كما يرى دو ميستر.

ودافع دو ميستر عن عصمة البابا رغم قابلية الخطأ البشري، فحسبه، لا تستمد السلطة من طهارة الفرد، ولا من كمال حكمه الشخصي، بل من المقام الذي وُضع فيه. وكمثل الملك الذي يُحتكم إليه في قضايا الرعية، فعلى الرغم من قابلية الخطأ، فإن الدولة لا تنهار إثر ذلك، ولا يفسد النظام، لأن سلطان الملك قائم على مقامه واعتراف الرعية بسلطانه، لا على صواب كل فعل من أفعاله. وكذلك البابا، فإن قراراته — وإن شابها الخطأ في الحكم الجزئي — تبقى ملزمة إذا صدرت عن كرسيه المشروع، وأيدتها أحكام المجامع، وأقرّتها ممارسة الكنيسة.

وقد يُقال: «إن تباينت بعض القرارات، أو عارضها بعض الفقهاء، فهل ينهار بذلك أصل السلطة؟» الجواب: كلا، فإن التباين لا ينقض القاعدة، بل يستدعي التفسير والتأويل، كما يُفسّر القانون إذا اختلفت أقوال القضاة. فالسلطة الحقيقية في البابا لا تتوقف على كل حكم جزئي، بل على قدرة المنصب نفسه على الحسم وإقرار النهاية، وبغير هذا لما كانت الكنيسة مجتمعًا مستقرًّا، ولا حفظت وحدةً دينية، ولا سارت على خطّ الحقّ.

ومن هذا يظهر أنّ ما يُثار من صعوبات، أو ما يُحاجّ به المحللون والمجادلون، ليست أعطالًا في الجوهر، ولا نقضًا للسلطان، بل فصولٌ تُختبر فيها الشرعية، ويُؤكّد فيها المركز النهائي للقرار. ولولا هذا المركز لما كان للحقّ لغة واحدة، ولما التمّ للكنيسة استمرارها، ولَفَسَدت الوحدة، وتفرق الجمع، وصار كل فريق يقول ما عنده، ويستبيح الحقّ بلا حكم جامع.

والمقصود، في نهاية القول، أنّ سلطة البابا مستقرة لا تتزعزع ما دام منصبه قائمًا، وما دامت الكنيسة تعترف بمقامه، وما دام القرار الصادر عنه يَتّصل بالشرعية الثابتة؛ فإن الأخطاء الجزئية لا تضعفه، بل تبرز عظمة النظام الذي أسسته الحكمة الإلهية، وعُززت به وحدة الجماعة المسيحية، وحفظت به الكنيسة من تفرق الآراء وتشظّي النصوص. وهكذا، يظهر للقارئ أنّ مركز القرار النهائي، وإن تعرّض للجدل، لا يُنقص من عظمته ولا من شرعيته، بل يُثبت الحاجة إليه، ويُظهر أنّ من دون مركز يُقرر لا استمرار للحقّ، ولا حفظ للوحدة، ولا صلاح للحياة الدينية.

ومن هنا ينبثق ما يُسميه دو ميستر «اللاخطأ العملي» أو «اللاخطأ الفعلي»: فهو لا يطلب أن يكون كل فعل فردي معصومًا، بل أن الهيئة الكنسية ومركز السلطة يضمنان استمرارية الحقّ ووحدة القرار. كما أنّ الأمة إذا اعترفت بمقام الملك، لم تُلغَ سلطته إن زلّ في حكم شخصي، وهكذا أيضًا سلطة البابا تحفظ وحدة الكنيسة حتى وإن أخطأ في تقدير جزئي.

في هذا الصدد، يُشبّه دو ميستر عمل القاضي الذي يصدر الحكم، فإذا خالفه بعض الشهود أو الباحثين في تطبيق القانون، لا ينهار القضاء ولا يضيع الحقّ، لأن قوة القرار مستمدة من القانون نفسه ومن اعتراف الجميع بشرعيته. وكذلك البابا، فإن ما يُثار من اعتراضات أو صعوبات لا ينقض مقامه، بل يُظهر الحاجة إلى مركز القرار، ويؤكد أن اللاخطأ العملي قائم على الاعتراف والتطبيق، لا على الكمال الفردي. وقد شهد التاريخ بأن القرارات البابوية، حتى وإن ناقضتها بعض الفئات أو طالها الجدل، صارت ملزمة في النهاية بفضل الاعتراف الجماعي والممارسة المستمرة للكنيسة.

ينطوّى تبرير دو ميستر على أنّ ثبات السلطان الديني والسياسي ومشروعيته لا يقومان على التعليل العقلي الصِّرف، بل يستندان إلى عنصرٍ من السِّرّ المتوارث، والتقليد المكين، وما يلازمه من مهابة تكاد تُقارِب الأسطرة من حيث الأثر لا من حيث الحقيقة. ففي كتابه عن البابا، لم يُرِد أن تكون عقيدة العصمة البابوية مسألة لاهوتية محضة، بل أقامها مقام الضرورة السياسية، حتى غدا مفهوم العصمة عنده رديفًا للسيادة، وكأنّ اللفظين في منطقه اسمان لحقيقة واحدة. فالسلطة، في تصوّره، تُدرَك في القلوب بقدر ما تُتّصل بأصل علوي مفارق، وتُحاط بهالة من التوقير تُسكت اللجاج، وتردّ التنازع إلى كلمة فاصلة. ومن هنا كان لستر الأصول الأرضية وحجب بدايات السلطان في ضباب الإجلال وظيفة تحفظ للنظام وحدته، وتقيه غوائل الفوضى التي عاينها إبّان الثورة الفرنسية.

غير أنّ هذا التعويل على السرّ والمهابة يثير توتّرًا مع النزعة التوحيدية التي ينتمي إليها فكر دو ميستر السياسي، تلك التي قامت على نزع السحر عن العالم، وتجريد القوى الكونية المتكاثرة من سلطانها، وردّ الأمر كله إلى إله واحد متعالٍ. وقد بيّن هوركهايمر وأدورنو أنّ مسار التوحيد يتضمّن إزالة الغموض، إذ يُقصي التفسيرات الأسطورية ويستبدل بها فهمًا أكثر تجريدًا لإرادة الله ونظام الطبيعة. من هذا الوجه قد يُظنّ أنّ استعادة دو ميستر لمنطق الغموض رجوع عمّا حقّقه التوحيد من تحرير العقل، وكأنّه إحياء لهيبة جرّدتها الوحي من سحرها القديم. لكن دو ميستر لم يقصد إعادة أسطرة وثنية، بل أراد الإقرار، على نحو أوغسطيني، بحدود العقل الإنساني أمام النظام الإلهي. فالسرّ عنده ليس خرافة تُناقض العقل، بل حقيقة تعلوه، تقتضي تسليمًا يتجاوز البرهان التجريبي من غير أن يُبطله. وبهذا المعنى تندرج رؤيته في أفق اللاهوت السياسي الذي يرد المفاهيم السياسية إلى أصولها اللاهوتية ويكشف عن وشائج خفية بين المقدّس والدنيوي.

وهذا يقودنا إلى موازاة أفكار دو ميستر بما قرّره لاحقًا كارل شميت، إذ أعلن أنّ المفاهيم الكبرى في نظرية الدولة الحديثة ليست إلا مفاهيم لاهوتية جُرّدَت من حلتها الدينية. فالسيادة عنده هي القدرة على الحسم في حالة الاستثناء، ومن يملك القرار في اللحظة الحرجة هو الذي يُثبّت سلطان القانون. وذلك مفهوم يترادف مع القدرة الإلهية المتعالية على قوانين العالم، ومع تأصل القرار في القرار الإلهي لا خضوع القرار لمقتضياتها. لقد مهد دو ميستر لهذا التصوّر حين جعل وجود مرجع معصوم ضرورة وجودية لكل جماعة، تحفظ بها وحدتها، ويستمرّ بها نظامها، كما تثبت وحدة الكنيسة بثبات كرسيها، وتثبت وحدة الدولة بثبات سيادتها. وهكذا تغدو العصمة، في نظره، لا تحديًا لمبدأ التوحيد، بل محاولة لتوطين السيادة المطلقة في مؤسسة يراها موصولة بالعناية الإلهية، لتكون سدًّا في وجه عواصف الانقلاب وركنًا يُلوذ به النظام إذا اضطربت أركانه.

وأمّا المعضلة الأولى في فلسفة دو ميستر، فهي ما يتّصل بإعادة إدخال الأسطورة في نسيج السلطة، وجعلها أصلًا تُبنى عليه شرعية السياسة والثقافة. وقد تصدّى اللاهوتي الفرنسي هنري دو لوباك لهذه النزعة في كتابه، حيث فحص — بنفَس نقدي عميق — محاولة بعض المفكّرين، وفي طليعتهم فريدريك نيتشه، أن يملؤوا خواء العصر الحديث بإحياء منطق الأسطورة، وتشييد السلطة على أرض ميثولوجية تُستعاد من أطلال ما قبل المسيحية.

رأى دو لوباك أنّ هذا المسلك، وإن بدا دواءً للعدمية، يحمل في طيّاته خيانة لروح التوحيد؛ إذ التوحيد، بإقراره الإله الواحد المتعالي، قد نزع القداسة عن قوى العالم المتكاثرة، وجرّد الطبيعة من سحرها المقيم، وردّ المعنى إلى مصدر مفارق لا يُحتوى في رمز مصنوع ولا يُختزل في سرد بطولي. ومن ثمّ، فإن كل محاولة لإعادة سحر العالم عبر صناعة أسطورة غامضةٍ تؤسّس للسلطان، إنما هي — في نظره — ارتداد عن حركة التنزيه التي دشّنها الإيمان التوحيدي.

وقد لمح دو لوباك قاسمًا مشتركًا بين تمرّد نيتشه الأخلاقي، حيث أعلن «موت الإله» واستدعى بطولات إغريقية ليبني عليها إنسانًا جديدًا، وبين بعض الاتجاهات الرجعية التي أرادت أن ترد الفوضى الحديثة إلى أصل مقدس مبهم يُستمدّ منه سلطان لا يُناقش. فكلاهما — على اختلاف المقاصد — يلوذ بالأسطورة ملاذًا أخيرًا حين يضيق الأفق العقلي أو الروحي. غير أنّ التوحيد، كما أكّد دو لوباك، لا يملأ الفراغ بأسطورة جديدة، بل بالعودة إلى الينابيع الأولى، إلى سرّ النعمة وعلاقته بالطبيعة، في أفق بلوره تيار «العودة إلى المصادر» (ressourcement) الذي انتمى إليه.

غير أنّ إنزال هذا النقد على فكر جوزيف دو ميستر يقتضي تروّيًا دقيقًا. فحديث دو ميستر عن التقليد والسرّ ليس دعوةً مقصودهً إلى أسطرةٍ وثنية، بل إقرار بأنّ السلطان المشروع يستمد جذره من عنايةٍ إلهيّةٍ متواصلة، وأنّ التاريخ ليس مسرحًا للإنسان وحده، بل ساحة تجري فيها هذه العناية مجرى خفيًّا. فالسرّ عنده ليس خرافةً مختلقة، بل اعتراف بعمق المقصد الإلهي الذي تعجز العقول عن استقصائه، وبهذا يُفصل بين «الأسطورة» بوصفها صناعة بشرية، وبين «السرّ» بوصفه بُعدًا لاهوتيًّا يتجاوز الإدراك من غير أن يناقضه.

ومع ذلك، يظلّ التوتّر قائمًا لا يهدأ، فإن لغة دو ميستر في شأن السلطان مشوبة بنفَسٍ تاريخانيّ يرفع من شأن الأفعال السيادية المُنشئة، ويُعلي منطق القوة الذي يؤسس لها ويسندها، إذ به، بحسبه، ينتقل الاجتماع من لجّة الفوضى إلى ساحل النظام. غير أنّ إضفاءه مسحةً من القداسة على الفعل الحاسم الصادر عن «السادة المشرعين» يعيدنا، في وجه ما، إلى المأزق الوثني ذاته، إذ يُخشى أن يتحوّل القرار البشري، حين يُحاط بهالة من المصير، إلى فعل مقدّس لا يُمسّ ولا يُساءل.

وقد يقول قائل إن دو ميستر — من حيث الإيمان واللاهوت — أبعد ما يكون عن الوثنية، إذ لم يفتأ يُدرج تلك الأفعال السيادية في إطار العناية الإلهية، ويرى في العنف والاضطراب اللذين لا يخلو منهما تأسيس أيّ نظام سياسي حقيقي ضربًا من تجلّيات التدبير الإلهي، لا التقاء قوى أسطورية عمياء. غير أنّ هذه الحجّة، وإن بدت مُبرّئةً لقصده، لا ترفع الإشكال كلّه من ناحية التطبيق السياسي؛ لأنها تُفضي إلى المعضلة الثانية، الأشد وطأة، وهي أن تُشرَّع حقيقة التاريخ — القائلة إن كل نظام سياسي نشأ في أصله عن استيلاء أو قهر — تحت اسم «الاغتصاب المشروع»، ثم تُدرج إدراجًا في سراديب العناية الغامضة.

وهذا الأصل العميق، الذي رأى فيه دو ميستر مخرجًا للتوترات الناشئة عن العنف السياسي، لم يُعَد عارضًا طارئًا من طوارئ الزمان، بل ضرورة كامنة في ولادة السلطان ذاته. فالتأسيس، عنده، لا يخلو من تجاوز عنيف أو صدمة مميتة، غير أنّ تعاقب الأزمنة وما يُستشفّ فيه من حكمة العناية يُسبغان على ذلك الفعل صبغة الشرعية، فينقلب ما كان خرقًا إلى أصل، وما كان رجّةً إلى نظام.

وعندئذ، تغدو بدايات السلطة — في نظره — موغلةً في العتمة، مشوبة بالدم، عصيّة على التبرير العقلي الصرف؛ فلا تُقبَل إلا بتسليم بأن الإرادة الإلهية تسري في مجاري التاريخ، ولو سلكت طرقًا ملتوية. فالسيادة لا تولد في صفاء عقلاني أو تقويّ، بل تنبثق من احتكاك الإرادات وتصارعها، ثم تُحاط مع مرور الزمن بهالة من القداسة، حتى يُنسى أصلها، ويغدو ما كان فعلًا بشريًا عنيفًا جزءًا من ذاكرة مقدّسة لا يطالها السؤال.

ويقابل هذا الموقف — في جهة نقيضة — تشاؤم شوبنهور، الذي رأى الدولة وليدة سلب وإكراه، وأنها ضرورة بائسة تُقي الناس شرور بعضهم بعضًا لا أكثر. فالفرق بين الرجلين ليس في توصيف الأصل، بل في تقويمه: كلاهما يُقر بأن المنطق الداخلي للقوة سابق البرهان، غير أنّ أحدهما رأى في ذلك أثر العناية، والآخر لم ير في واقعه الأرضي إلا انعكاس إرادات متنازعة، وتمظهرات لمنطق القوة الداخلي .




المشاركات الشائعة