جورج فلورفسكي: المسيحية والثقافة
وليسَ ثَمَّةَ شَكٌّ في أنَّ الحقائقَ الموضوعيَّةَ يجبُ أوَّلًا أنْ تُثبَتَ وتُتحقَّقَ وتُؤكَّدَ بعِنايةٍ، غيرَ أنَّ هذا ليسَ هو المقصِدَ النِّهائيَّ للمؤرِّخِ. فالتَّاريخُ، كما قالَ هنري مارين مارو، إنَّما هو على وجهِ الدِّقَّةِ «لِقاءٌ معَ الآخَر» — (l’histoire est rencontre d’autrui).
إنَّ ضِيقَ العَقلِ وفَراغَهُ عائقانِ حقيقيَّانِ أمامَ هذا اللِّقاءِ، كما هُما في سائرِ العَلاقاتِ الإنسانيَّةِ. فالتَّاريخُ، بوَصفِهِ موضوعًا للبحث، إنَّما هو تاريخُ الكائنِ الإنسانيِّ، في علاقاتِهِ المتبادَلةِ، وفي صِراعاتِهِ واتِّصالاتِهِ، وفي معاشِهِ الاجتماعيِّ، وفي عُزلتِهِ واغترابِهِ، وفي سُموِّ تطلُّعاتِهِ وانحِطاطِهِ. وحدَهُمُ البشرُ هُمُ الذينَ يَحيَونَ في التَّاريخِ — إنَّهم يَعيشونَ ويتحرَّكونَ ويَسعَونَ ويُبدِعونَ ويَهدِمونَ. فالإنسانُ وحدَهُ كائنٌ تاريخيٌّ بالمعنَى الكاملِ للكلمةِ.
والحقُّ أنَّ ما يُعيقُ هذا اللِّقاءَ هو ضِيقُ العَقلِ وفَراغُهُ، كحالِ الأمرِ في كافَّةِ العَلاقاتِ الإنسانيَّةِ. فالتَّاريخُ، بوَصفِهِ موضوعَ بَحثٍ، إنَّما هو تاريخُ الكائنِ الإنسانيِّ الحيِّ في علاقاتِهِ المتبادَلةِ وصِراعاتِهِ واتِّصالاتِهِ ومعاشِهِ الاجتماعيِّ، وكذلكَ في عُزلتِهِ واغترابِهِ، وفي تطلُّعاتِهِ السَّاميةِ وانحِطاطِهِ.
إنَّ البشرَ وحدَهم يَحيَونَ في التَّاريخِ؛ إنَّهُم يَعيشونَ ويتحرَّكونَ ويَسعَونَ ويُبدِعونَ ويُدمِّرونَ في هذا النِّطاقِ. فالإنسانُ وحدَهُ كائنٌ تاريخيٌّ بالمعنَى الكاملِ للكلمةِ.
إنَّنا نَتَّصِلُ بالبشرِ في عَمَليَّةِ الفَهمِ التَّاريخيِّ؛ نَتَّصِلُ بأفكارِهِم ومساعيهم، ونَنفُذُ إلى عالَمِهِمُ الباطنِ ونَشهَدُ أفعالَهُمُ الظَّاهرةَ. وقد أَصابَ كولينغوود حينَما أصرَّ على أنَّ التَّاريخَ لا يَحتوي على أحداثٍ مَحضَةٍ. إنَّ ما يُسمَّى خَطَأً «حَدَثًا» لَهُوَ في حَقيقَتِهِ فِعلٌ عَميقٌ يُعبِّرُ عن فِكرٍ ما (عن نِيَّةٍ أو غايةٍ) نابعةٍ مِن فاعِلِهِ، وعليهِ تَكمُنُ مَهمَّةُ المؤرِّخِ في النَّفاذِ إلى هذا الفِكرِ.
وبذاتِ المعنَى، ركَّزَ (كولينغوود) على أنَّ «التَّاريخَ الحَقَّ هو تاريخُ الفِكرِ». وهذا رأيٌ لا يَنبغي أنْ نُعارِضَهُ بِدَعوى أنَّهُ مِثاليَّةٌ خالِصَةٌ أو صَدىً مِن أصداءِ الهيجليَّةِ البالِيَةِ. فما يَعنيهِ (كولينغوود) في هذا الصَّدَدِ ليسَ الفِكرَ بوَصفِهِ فِكرًا خالِصًا فَحَسب، وإنَّما الطَّابِعَ العاقِلَ والهادِفَ للحياةِ الإنسانيَّةِ والفِعلِ الإنسانيِّ.
فليسَ التَّاريخُ وِقائعَ وحَوادِثَ فَحَسب، بل إنَّهُ في حَقيقَتِهِ أفعالٌ ومساعٍ وإنجازاتٌ وإخفاقاتٌ، وبهذا المَنظورِ يَظهَرُ الوجودُ البَشَريُّ بمعناهُ الحَقِّ.
خِتامًا، إنَّ التَّاريخَ هو تاريخُ الإنسانِ في إبهامِ وجودِهِ، وتعدُّدِ وُجوهِهِ، وهذا ما يَختَصُّ بهِ الطَّابعُ الفريدُ للإدراكِ التَّاريخيِّ والمعرفةِ التَّاريخيَّةِ. وعليهِ، لا بُدَّ أنْ تَتناسَبَ الوسائلُ معَ الغاياتِ. وهذا مِمَّا أُهمِلَ كثيرًا في عَصرِ الوضعيَّةِ المتشدِّدةِ العَقائديَّةِ (positivisme doctrinaire militant)، ولا يزالُ يُتجاهَلُ في زَمانِنا.
إنَّ المعرِفَةَ الموضوعيَّةَ على النَّهجِ الهندسيِّ العَقلِيِّ الصَّارمِ (more geometrico) أمرٌ مُستحيلٌ في ميدانِ التَّاريخِ. إنَّ المعرِفَةَ التَّاريخيَّةَ ليست مَعرِفَةً بالأشياءِ، بل هي على وجهِ الدِّقَّةِ مَعرِفَةٌ بالذَّواتِ — بـ«الأشخاصِ المُشارِكين» و«الشُّركاءِ في مَسيرَةِ الحياةِ». وبهذا المعنَى، فإنَّ المعرِفَةَ التَّاريخيَّةَ مَعرِفَةٌ وُجوديَّةًٌ (existential knowledge). وهذا هو ما يُحدِثُ انقِسامًا جَوهريًّا بينَ دِراسةِ الرُّوحِ (die Geisteswissenschaften) ودِراسةِ الطَّبيعةِ (die Naturwissenschaft)."
— جورج فلورفسكي

.jpg)