الحدود الغربية كمدخل لفهم الهوية الأمريكية
على الرغم من أن كلمة الحدود توحي لنا بتصوّراتٍ جغرافية، فإن جوهر الأطروحة في حقيقته اجتماعيٌّ ونفسانيٌّ، إذ يصوّر لنا تيرنر الحدود كعمليةٍ مستمرةٍ من التصادم بعالمٍ جديد، عمليةٍ أفضت ـ بحسبه ـ إلى تشكيل الهوية الأمريكية، وجعلها في حالةٍ دائمةٍ من المواجهة، ودفعها إلى الابتكار، وحثّها على التغيّر.
ما يعنيه تيرنر بالحدود صراحةً هو ذلك المجال الزمكاني القابع خلف بقايا التنظيم الأوروبي الذي اتّسم به الشرق الأمريكي، حيثُ ثمة بقعةٌ نقيةٌ من الأرض داعيةٌ إلى الاكتشاف والغزو والإخضاع. يجادل تيرنر بأن لهذه الحدود دورًا جوهريًّا في تشكيل الهوية الأمريكية، يفوق إرث المؤسسات الأوروبية الهرمية التي تعود في أصلها إلى العصور الوسطى المتأخرة.
رأى تيرنر في التوسّع الأمريكي المستمر نحو الغرب تشكيلاً لهويةٍ أمريكيةٍ جديدةٍ أسقطت عن الفرد الأمريكي تقاليد أوروبا وأثقالها الاجتماعية والدينية والطبقية. فهذه الحدود، التي مثّلت الهجرة إليها اندفاعًا نحو المجهول، قد فتحت مجالًا جديدًا لظهور التفرد البشري النقي بمعزلٍ عن الأغلال الأوروبية.
أفضت هذه الحدود إلى صقل الخصال التي تفرد بها الأمريكيون وفاقوا فيها أسلافهم، ألا وهي الفردانية، وهي الكلمة التي أراد بها تيرنر وصف روح الاعتماد على الذات والابتكار والمغامرة، والكفاح الدائم لأجل التطوّر، كما أفضت إلى تمجيد الحرية والجرأة والعملية وروح التجربة التي يمتاز بها الأمريكيون.
لم تمثل الحدود بالنسبة إلى تيرنر، كما أشرتُ سلفًا، حدًّا جغرافيًا جامدًا، بل مجالًا ممتدًا لإعادة خلق الذات واكتشافها، وبالذات هنا أقصد ذات المجتمع ككل.
هذه المواجهة الدائمة مع مجالٍ أكثر نقاءً وطبيعيةً من العالم الأوروبي المنظَّم، ومن خليفته الذي رسم ملامح الشرق الأمريكي، قد جعلت الأمريكيين يجدّدون أنفسهم باستمرار، وأضفت على وجودهم شبابًا وقوةً دائمة.
علاوةً على ذلك، أفضت هذه الحياة الجديدة إلى إنهاء الفروقات الطبقية الجامدة التي اتّسم بها الشرق الأمريكي وورثها من أوروبا، واستُبدل بذلك نزعةٌ ديمقراطية، لا وفق المعنى المعاصر للكلمة، وإنما بمعنى إتاحة الفرصة للجميع ليختبروا أنفسهم في هذا العالم الجديد.
تلك الديمقراطية التي يحتفي بها تيرنر وينسبها إلى الحدود إنما هي في واقع الأمر قريبة مما عناه جيفرسون بـ«الأرستقراطية الطبيعية»، تلك التي تصف التميز الطبيعي والتفاوت بين الناس، وهي صورةٌ هرميةٌ أراد جيفرسون وغيره من مؤسسي أمريكا الفتية أن يجعلوها نظيرًا للهرمية الأوروبية التي رأوا فيها اصطناعًا وجمودًا حضاريًا.
أتاحت هذه
الحدود ازدهار هذا التصوّر «الديمقراطي»، حيث الكفاح والفوز والقوة هي المعايير
التي يحيا بها الإنسان، وحيثُ ليس ثمة مركزيةٌ مصطنعةٌ تحدد الكفاءة. وبحسب تيرنر،
كان لهذا الانفتاح المكافح دورًا عظيمًا في خلق الشكل الأمريكي من الديمقراطية،
ورسم حدود الهوية الأمريكي، وتفرّد أمريكا عن أصلها القديم.
"لقد تفتّقت من ظروف حياة الحدود الحدود ملامح فكرية عميقة الأثر، بعيدة المدى. إذ دوّن الرحّالة، منذ الأزمنة الاستعمارية وعلى امتداد مراحل التوسّع كافة، خصائص مشتركة ظلّت، وإن لانت حدّتها بمرور الأيام، ماثلةً في موطن نشأتها حتى بعدما قامت عليه نظمٌ اجتماعية أرقى وأكمل. وهكذا غدا الفكر الأمريكي مدينًا في أبرز خصائصه لتلك التجربة الحدوديّة"
" والحقُّ أنَّ العقل الأمريكيّ يدينُ بسماته الفريدة لتلك الحدود (الغربية)؛ تلك الخشونة الممزوجة بالصلابة، المتّحدة بنفاذ الذكاء وقوّة الفضول، وتلك النزعة العمليّة الخلّاقة السريعة إلى ابتكار الوسائل واستنباط الحلول، وذلك الإحكام الباهر في التعامل مع المادّة، وإنْ خلا من رهافة الذوقِ الجماليّ، قادرٌ على بلوغ المقاصد العظام، وذلك القلق المتّقد المفعم بالحيويّة، وتلك الفرديّة الجامحة التي تعملُ للخير كما تعملُ للشرّ، ومعها تلك البهجة الفيّاضة المنبعة من روح الحرّيّة — كلّها خصالٌ انبثقت من صميم الحياة على الحدود، أو أيقظ وجودها أثرها في مواضع أخرى."
"وكما كان البحرُ الأبيضُ المتوسّطُ عند الإغريق سبيل التحرّر من سطوة العادة، ومنطلقَ التجارب الجديدة، ومَعينَ المؤسسات والنشاطات المبتكرة، كذلك — وربما أكثر — كانت الحدودُ الأمريكية بالنسبة إلى الولايات المتحدة مباشرةً، ولأمم أوروبا على نحوٍ غير مباشر."
عاش تيرنر في
مرحلة أفول تلك الحقبة التي استفاض في وصفها، وأبدع في تشخيص آثارها. يذكّرنا
تيرنر أنّ أواخر القرن التاسع عشر قد أعلنت ـ بكلّ موضوعيّة ـ أنّ الحدود قد
انتهت، ويعني ذلك نجاح الأمريكيين في الاستيلاء على هذا العالم العنيف الذي لطالما
بعث في نفوسهم روح المغامرة والتفرّد. وقد رأى مؤرخنا في ذلك تحوّلًا مصيريًّا في
مسار الذات الأمريكية.
تساءل تيرنر: إلى أين سيتّجه هذا الإنسان بعد أن لم تَعُد أمامه أرضٌ جديدةٌ يغزوها؟ هل ستنطفئ جذوةُ المغامرة؟ أم ستبحث الأمة عن "حدودٍ جديدةٍ" في الصناعة أو وراء البحار؟
يصف لنا تيرنر كيف تُطلّ ألاسكا من الشمال بكلّ ما تحتويه من ثراءٍ عظيم¹، كأنّها تدعو الأمريكيين إلى استكمال هذا المصير. كما يشير إلى أقصى الغرب، حيث تلوح آسيا خلف هذا المحيط العظيم. وفي ذلك يقول: لم تَعُد آسيا تلك البقعةَ البعيدة، ولا رمزَ الثبات الأبدي، بل غدت كأنّ السرابَ حملها قريبةً من سواحلنا، تبعث أسئلةً عميقةً عن المصير المشترك لشعوب هذا المحيط العظيم:«لقد بدأ عصرُ المحيطِ الهادئ».
¹غدت ألاسكا جزءًا من الولايات المتحدة منذ عام 1867م. ما قصده تيرنر حين تحدّث عن ألاسكا في سياق الغزو هو الرمزية الجغرافية والنفسية للحدود، لا الملكية السياسة.

.jpg)