نظر في حرب الأيقونات البيزنطية

أيقونة انتصار الأرثوذكسية

إبّان القرن الثامن والتاسع، هيمن النزاع حول الأيقونات الدينية على الحياة الثقافية البيزنطية المسيحية. فذهب فريق إلى أن التقديس الذي تحظى به الأيقونات مناقض للتعاليم الدينية القديمة التي حرّمت إقامة صور للإله والشخصيات الدينية، بينما انتهى فريق آخر إلى اعتبار الأيقونات تجسيدًا حيًّا لفكرة التجسد المسيحي للإله. يجادل جورج فلورفسكي، الفيلسوف والقس الروسي، أن هذا النزاع في أصله لم يكن نزاعًا تاريخيًا أو فنيًا، بل أزمة في الفكر المسيحي، أزمة لاهوتية في أصلها أعادت التفكير في ماهية المادة والصور والتجسد. على الرغم من أن هذا النزاع تجسّد في صور سياسية وحربية، إلا أنه، بحسب فلورفسكي، نزاعٌ حول طبيعة المسيح وماهية التجسد. في هذا السياق، بيَّن فلورفسكي أن المناخ الثقافي الذي عمّ هذا النزاع اشتد فيه التأثر بالأفكار الهيلينية المتأخرة المعادية للمادة، التي اعتبرتها صورةً من صور السقوط الكوني، أو عالمًا من الأوهام، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعكس سموّ القوى الإلهية. مال فلورفسكي إلى الرأي القائل بأن الأيقونات الدينية ليست تعظيمًا للمادة، أو وثنيةً مقدسةً للعالم، بل تعظيمٌ للأصل الذي تمثله، وتأكيدٌ على أن الإله، كما هو في التصور المسيحي، قد دخل هذا العالم المنظور لحواسّنا. وعليه، تغدو الأيقونات تحقّقًا لقدرة الإله على التحقّق ماديًا في هذا العالم. هذا النزاع، الذي انتصرت فيه الأرثوذكسية المسيحية، بحسب فيلسوفنا، انتصارٌ للمسيحية على الفكرة الثنائية الهيلينية المتأخرة التي فصلت الروح عن المادة فصلًا تامًا، وتتويجٌ للواقعية المسيحية التي أقرت بأن التاريخ والمادة مجالٌ تتحقق فيه النعمة الإلهية. إنّ الأيقونة، عند فلورفسكي، ليست زينةً بل لاهوتٌ مُجسَّد، إذ تمثّل ذروة الثقافة المسيحية التي تعبّر بالصور والألوان والأشكال عمّا تعبّر عنه العقيدة بالكلمات.

يعارض فلورفسكي إحدى الأطروحات التقليدية المهيمنة التي فسّرت هذا الانقسام حول الأيقونات باعتباره ردّة فعلٍ شرقيةٍ (أصيلة) على أَغْرَقَةِ ورَوْمَنَةِ المسيحية. تقوم هذه الأطروحة على الفكرة القائلة إن استيعاب الأيقونات وتقديس الصورة والفنون الحسية وإدخالها في الأطر التعبدية واللاهوتية المسيحية كان استمرارًا للثقافتين اليونانية والرومانية داخل الإطار المسيحي. وتقرّ هذه الرؤية أن المسيحية في أصلها لا ينبغي أن تختلف عن اليهودية من ناحية رفض الأيقونات ورسم صور الإله، وإنما غدت على هذا النحو نتيجة الأثر الوثني القادم من الثقافتين المذكورتين. بحسب فلورفسكي، إذا نظرنا إلى الخارطة الفكرية لهذا الانقسام، سنرى أن كثيرًا من المدافعين عن الأيقونات ودورها في الإطار المسيحي كانوا شرقيين، بينما عادى الأيقونات كثيرٌ من النخب البيزنطية الأكثر اتصالًا بالإرث اليوناني والروماني. وهذا وحده ليس سببًا كافيًا لدحض الأطروحة الشرقية. وإنما الأهم في هذا السياق، وهو ما يعزّز أطروحة فلورفسكي، أن الثقافة الإغريقية المتأخرة لم تكن هي الحسية الإغريقية التي اشتهرت في العصور القديمة، بل رؤية ثنائيّة للعالم: رؤيةٌ تعجز عن تقبّل إمكانية أن تصبح المادة وعاءً للحضور الإلهي. ويؤكد فلورفسكي أن الثقافة البيزنطية لم تكن ساحة صراعٍ بين الشرق والغرب، بل حضارةً موحَّدةً مسيحيةً خالصةً تستند إلى إيمان مجمع خلقيدونية. ومن ثم فإن أزمة الأيقونات كانت صراعًا داخليًا لاهوتيًا، لا مواجهةً بين ثقافاتٍ متقابلة. علاوة على ذلك، يحاجج فلورفسكي أنه على الرغم من تأثر كثيرٍ من فلاسفة المسيحية بالأفلاطونية، إلا أنهم لم يكونوا مخلصين لنتائجها بقدر انتفاعهم من بنيتها المنطقية وصرامتها العقلية، فيقول:

"لقد غُفِل عن أمرٍ بيّن، وهو أنّ الأفلاطونية الحديثة لفي أصلها نزعةً معاديةً للأيقونات أيضًا. لقد روى فُورفِيريوس في سيرة أفلوطين أنّ هذا الأخير كان يستحيي من وجوده الجسدي، وبهذه العبارة بالذات افتتح فُورفِيريوس ترجمته لحياته. قال: «وفي مثل هذه الحال من النفس، أبى أفلوطين أن يحدّث عن آبائه أو أجداده أو عن وطنه. ولم يرضَ أن يجلس لنحّاتٍ أو رسّامٍ». وهل يُعقل أن تُنشأ صورةٌ خالدةٌ لجسدٍ فانٍ؟ لقد كفاه أن يُضطر إلى حمله حيًّا! لقد كان أفلوطين يودّ لو نسي أنّ له سيرةً أرضيةً أو ودينًا أو موطنًا."

ويعقّب فلورفسكي:

"لقد جرت العادة أن يُفسَّر حراك تحطيم الأيقونات على أنّه ردّ فعلٍ شرقيٍّ أو ساميٍّ في وجه ما سُمّي بـ«الهيلينية المفرطة» للفنّ المسيحي والتقوى الكنسية، أو لميل الكنيسة البيزنطية إلى الانغماس في الروح الهيلينية. غير أنّنا لا نجد في لاهوت محطّمي الأيقونات شيئًا يُعدّ «ساميًّا» على وجه الخصوص؛ فالحجج والأدلّة التي أقاموها تبدو في جوهرها هيلينيةً خالصة. صحيحٌ أنّ المدافعين عن الأيقونات كانوا أفلاطونيين في نزعتهم، ولكن، ألم يكن موقف محطّمي الأيقونات أيضًا أفلاطونيًّا في طبيعته؟ أفلا ينبغي لنا أن نرى الصراع كلّه على أنّه انقسامٌ داخليٌّ في صميم المسيحية الهيلينية؟ إنّ تحطيم الأيقونات حركةٌ معقّدةٌ تتداخل فيها عناصر شتّى ينبغي تحليلها بتروٍّ، ولكن الإلهام الأكبر للفكر التحطيمي كان هيلينيًّا في أصله. ولذا يجب علينا أن نعكس التفسير الشائع: فلم تكن الهيلينية هي التي تسلّلت إلى المسيحية عبر الأيقونات، بل كان تحطيم الأيقونات هو ذاته عودةً إلى ما قبل المسيحية، إلى الهيلينية القديمة ذاتها. يمكن النظر إلى الصراع كلّه بوصفه مرحلةً جديدةً في مسارٍ طويلٍ عبر العصور. فكثيرًا ما وُصف هذا المسار بأنّه «هَيّلَنةٌ للمسيحية»، غير أنّ الأصحّ أن يُقال: إنّه تنصيرٌ للهيلينية. وكان الطابع الأبرز في هذا المسار هو انقسام الهيلينية على ذاتها، أو ما يمكن تسميته «استقطابها الداخلي». ففي الجدل حول الأيقونات – لا سيما في مستواه اللاهوتي – التقت الهيلينيتان مرّةً أخرى في صراعٍ محتدمٍ: الأولى رمزيةٌ مثالية، والأخرى تاريخيةٌ تجسيدية."


غيورغي فاسيلييفيتش فلورفسكي

أرى أن قوة أطروحة فلورفسكي تكمن في تركيزها – الذي غفل عنه كثيرٌ من المؤرخين والمحللين، وعليه خلقوا انقساماتٍ وتحليلاتٍ تتسم باتساقٍ نظري، بيد أنها بعيدةٌ كل البعد عن الواقع التاريخي – على طبيعة العالم الهيليني المتأخر المعادي للحسية والمستحي من الجسد، بصورةٍ تتجاوز في تطرفها التفرقةَ المسيحيةَ بين العالمين. تذكرني هذه الأطروحة بالصراع المحتدم بين الكنيسة والغنوصية، هذه الأخيرة التي كانت أخلصَ للروح الهيلينية المتأخرة، التي تطرفت في رفضها للعالم حتى نسبته إلى خالقٍ أدنى زجَّ بالأرواح في خلقه وغرب الإنسان عن أصله الإلهي. لقد كان العالم الهيلينيّ المتأخر، خاصةً في جوانبه الثقافية الفلسفية، أكثرَ معاداةً للمادة من العقيدة المسيحية.

المشاركات الشائعة