التخطي إلى المحتوى الرئيسي
بحث هذه المدونة الإلكترونية
إِنَّ الْمُعاناةَ حَدَثٌ مَديدٌ

". . . إِنَّ الْمُعاناةَ حَدَثٌ مَديدٌ. لا يُقَسَّمُ إلى فُصولٍ. كُلُّ ما بِيَدِنا أَنْ نُسَجِّلَ تَقَلُّباتِهِ وَنُؤَرِّخَ عَوائِدَهُ. فَالزَّمانُ عِندَنا – نَحْنُ الْمُعانُونَ – لا يَسيرُ إِلى الأَمامِ، بَل يَدورُ حَوْلَ نَفْسِهِ. إِنَّ زَمانَنا يَلْتَفُّ حَوْلَ مَرْكَزٍ واحِدٍ مِنَ الأَلَمِ. نَخْضَعُ لِجُمودِ الْحَياةِ الشَّامِلِ، الَّذي يُقَيِّدُها بِنَسَقٍ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَبَدًا، فَنَغْدو كَجُنودٍ نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَنامُ وَنُصَلِّي وَفْقَ قَواعِدَ صارِمَةٍ جُرِّدَتْ مِنَ التَّغَيُّرِ وَجَفَّتْ مِنْها مَنابِعُ الرَّحْمَةِ. هذَا الْجُمودُ ذاتُهُ يَطْبَعُ بِطابِعِهِ الْعالَمَ الْخارِجِيَّ الَّذي اخْتُصَّ جَوْهَرُ كَيْنُونَتِهِ بِالْحَرَكَةِ وَالتَّبَدُّلِ. وَأَمَّا أَوْقاتُ الْبَذْرِ وَالْحَصادِ، وَانْحِناءُ الْحاصِدينَ عَلَى السَّنابِلِ، وَمَشيُ الْقاطِفينَ بَيْنَ الْكُرومِ، وَالْعُشْبُ في الْبَساتينِ وقَدْ نُضِّدَ بِالزَّهْرِ الْمُتَناثِرِ، أَوْ حُمِّلَ بِالثَّمَرِ الْمُتَهَشِّمِ؛ فَذلِكَ مِمَّا لا نَشْهَدُهُ بِأَبْصارِنا، وَلا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِقُلوبِنا، كَأَنَّما حُجِبَتْ عَنَّا أَبْوابُهُ."
— أوسكار وايلد، من الأعماق (De Profundis)