بين النبل والمساواة: قراءة في التجربة الأميركية





حينما اقترح المحافظون في عام 1775 أن الديمقراطية قد تنطوي على استبداد شعبي بالسلطة رفض الثوريون الأمريكيون هذا الاحتمال معتبرين أن فكرة الاستبداد الديمقراطي تنطوي على تناقض، إذا لا يمكن للشعب أن يسيء لنفسه أو يظلمها. في هذا السياق، رأى جون آدامز أن الفكرة نفسها متناقضة منطقيًا. 

لكن بحلول ثمانينات القرن الثامن عشر، بدأ العديد من قادة الثورة الأمريكية يثيرون الشكوك حول فعالة الديمقراطية، إذ أدركوا أن ثورتهم هذه قد أطلقت العنان لقوى اجتماعية وسياسية قد تفضي إلى تبديد الحلم الجمهوري. بل ذهب بعضهم بأن صور الديمقراطية المتطرفة التي ينادي بها المعارضون متناقضه أصلًا مع جوهر الثورة الجمهورية. أفضت خلافات المجالس السياسية تساؤلات عميقة في أصول الحكومة الديمقراطية، بل والجمهورية أيضًا، ذلك أن الأكثرية التي تحكم في مثل هذه المجتمعات بدت لهم عاجزة عن حراسة المصالح العامة والحقوق الخاصة على السواء.

يرى جوردون إس. وود أنه بحلول عام 1787، تراجع كثير من قادة الثورة عن المثالية الجمهورية التي سادت بين عامي 1775 و1776، إذ لهم تبين أن الناس لن يكونوا عازفين عن مصالحهم الخاصة كما أقرت مثل الحكم اللاشخصاني التي حكمت رؤى المؤسسين. أدرك جورج واشنطن أنه لا يمكن لعاقل أن يَرتجي من العوام، "الذين يشكلون غالبية الجيش"، أن يتحركوا بدوافع غير دوافع المصلحة. وحتى الضباط، كما برهن الواقع، لم يكن يُرتجى منهم أن يضحوا بمصالحهم الخاصة وأهلهم في سبيل الوطن. وخلاصة القول عند واشنطن: "القلة القليلة التي تغلب مبدأ الإنصاف على المصلحة، بالمقارنة، كقطرة في محيطٍ واسع."

عندما أعلن قادة الثورة أن جميع الناس خلقوا سواسية، لم يكن أغلبهم يتصور أن الناس العاديين من الفلاحين والحرفيين والعُمّال سيصلون إلى مراكز الحكم الرفيعة. إن الناس، بحسبهم، متساوون في المولد وفي الحقوق، ولكن ليسوا متساوين في القدرة والخلُق. قال بنجامين روش في عام 1787، معبرًا عن رأي أقره الليبراليون العظام من أمثال جيفرسون، الذين حملت نفوسهم رؤى متفائلة للطبيعة البشرية وإمكاناتها: "إن حقوق البشر بسيطة لا تحتاج إلى تعلّم كي تُفهَم، بل إنها تُحسّ أفضل مما تُشرح. ولذلك، في شؤون الحرية، فإن الحرفي والفيلسوف، والفلاح والعالم، كلهم متساوون في الموقف. لكن الحال تختلف اختلافًا واسعًا في شأن الحكومة، فهي علم معقّد يتطلب قدرات ومعرفة بمواضيع متعددة حتى يُدرَك."

صحيحٌ أن هؤلاء الأمريكيون من أمثال جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وجون آدامز وألكسندر هاملتون لم يكونوا كالنبلاء الإنجليز ذوي الألقاب المتكلفة، ولا كالفرنسيين الأرستقراطيين المترفّعين بامتيازات القانون وأصول الدم، ولكنهم، مع كل ذلك، نظروا إلى أنفسهم على أنهم أعيانٌ: أعيانٌ طبيعيون، كما سماهم جيفرسون، وميلاكنتون سميث الفلاح التاجر الذي يرجع أصله إلى نيويورك، ولم يرى أحدهم في ذلك شيئًا من الكبر، بل كانت هذه مصداقًا لحقيقةٍ استقرّت في نفوسهم: أنهم أرفع منزلةً وأسمى مكانةً من عامة الناس.

يرجع أصل خليفة واشنطن، جون آدامز، إلى فلاحي ماساتشوستس، بيد أن شاطر أقارنه من المؤسسين هذه الرؤية، وتشهد دقائق حياته كيف جاهد لينحت من نفسه صورةَ الرجل النبيل المتنور، المكلّل بزيّ الأدب والفضيلة. بحسب آدامز ذلك الذي "لا ينسب إلى نسبٍ شريف، ولا نهل من منهل علم، ولا تبوّأ منصبًا رفيعًا، ولا حاز على سمعةٍ تليق بالكرماء، ولا أمضى في مهنةٍ ترفع ذكره، ولا في فكره ولا قوله ولا فعله عبرةٌ تدلُّ على كمال النبل." والذي "ينبع من أصولٍ عادية، لا تكتب يده غير اسمه بالكاد، وتأتي تجارته بالزورق، "إن مُنِح لقب النبل ففي ذلك "مذلّةٌ للإسم، وابتذال للشرف. 

ولما اقترب وقت كتابة الدستور، قَدِم على فؤاده يقينٌ عميق بمن هو النبيل حقًا: "هو من نهل من معين الفنون الحرة في الجامعة، ومن انتفع بعلوم الآداب، فصار له في العلم مكانة رفيعة." بيد أن هذا المعيار "الأكاديمي" لم يكن وحده المهيمن حينذاك، فعباقرة كبنجامين فرانكلين وجورج واشنطن لم يكن لهما نصيب من التعليم الجامعي، ومع ذلك استوفيا معيار النبل بتعلمهم الذاتي، وعلوهم في مضمار الفضيلة.

وكان مراد آدامز من التعليم في الفنون الحرة، أن يكتسب كلّ تلك الفضائل النبيلة التي تُعتبر شروطًا لازمة لتسلّق مناصب القيادة السياسية. فكان يعني به أن يكون واسع الأفق، منشغلًا على الفكر، مشرفًا على شؤون الناس كلّها، نزيهًا عن عيوب التعصب والتضييق والرغبة الدينية المحمومة التي تعتري عامة الجهال والبرابرة. وأن يحوز القدرة على إصدار الأحكام المتزنة والنزيهة بين مصالح الناس المتعارضة والمتصارعة في المجتمع.

وليس ببعيد عن هذا ما قاله نوح وبستر من أن من نال هذه العلوم الحرة، ومن نال لقب السيد، قد يستبعده عن التجارة والمهن العملية. فالعرف السائد، بل والعقل المألوف، كان يرى أن تجار الدنيا لا يليق بهم أن يكونوا من السادة الأفاضل.

شاطر الجيل الأول من كبار سياسيي آدم سميث في رأيه في عدم جواز إسناد أمور الحكم لممتهني التجارة. يقول سميث: قد رأى أن التجار في تلك المجتمعات التجارية المعقدة، منشغلون في مهنهم وكسب المال، فلا يسعهم أن يصدروا أحكامًا نزيهة في مصالح المجتمع المتعددة. وأن الذين لا يلزمهم عمل خاص، وهم قلة من النبلاء الإنكليز أصحاب الأملاك الواسعة، هم وحدهم الذين يملكون الفراغ والميول للنظر في شؤون غيرهم. رأي سميث في الأساس الاقتصادي للأرستقراطية الإنكليزية السند الأصيل لفكرة الحكم المنصف القادر على التعالي على المصالح الشخصية الطبقية، وهو النموذج الذي أراده مؤسسو أمريكا ولم ينجحوا في خلقه لغياب هذا الأساس.

علاوة على ذلك، ارتبطت هذه النزعة الأرستقراطية بميل طبيعي لتقدير نشاط الفلاحة على منوال النبلاء الرومان القدماء. قال جيمس ويلسون، مبينًا على مثال الرومان الأقدمين، إن القضاة وضباط الجيش كانوا دومًا من السادة الفلاحين، لا يأنفون عن النزول من علياء المناصب، فلا يلبثون أن يعقدوا العزم على ترك تلك المناصب العالية، راجعين إلى أعماق الأرض، حيث يهنأون بسلامة النفوس وطمأنينة القلوب، يشتغلون بالزراعة، ذلك العمل الشريف الذي لا يشوبهم منه شائبة، ولا تحيط بهم منه هموم الدنيا. وكان ذلك ديدنهم، وكان ذلك سبيلهم إلى الكرامة الحقيقية والحرية المطلقة.

وقد ظهر ذلك جليًا في موقف جون ديكنسون الذي أقر بأنه «فلاح من بنسلفانيا»، إذ ما كان من داعٍ لهذا التمثيل إلا ليطمئن السامعين أن لا غرض له في الأسواق، بل هو فلاح قانع بما رزقه الله، لا يأبه بما يدور في سوق الدنيا من أهوالها ولا يفزع لما يجيش في قلب الإنسان من آمال أو مخاوف.

والفراغ، وهو الحرية من مشاغل الدنيا، كان ذا منزلة عظيمة في تلك الأيام، ومنتهى غاية لكل ذي شأن، سواء في الجنوب حيث يهيمن الرق على الحياة، أو في الشمال حيث قلّ الرقّ وزاد العلم والصناعة.

وكان من المعتاد أن يُعتبر الذين تنعّموا بتعليم واسع في الكليات من رجال السادة، خاصّة إذا كانوا من أصحاب المهن المتعلمة، من المحامين والأطباء وغيرهم. لكن هل كانوا بالفعل أحرارًا من عوائق السوق؟ وهل كانوا يحملون في صدورهم من الحياد والاستقلال ما يجعلهم خادمين أمينين للأمة؟ وهل كان الفراغ، ذاك الزاد النفيس، معهم بما يتيح لهم القيام بالواجبات النبيلة؟

أجب جيمس ويلسون يجيب بالإيجاب، وكذلك كان ألكسندر هاملتون. ففي مقاله المعروف، «الفيدرالي» رقم خمسة وثلاثين، قال هاملتون: إن «المهن المتعلمة» لا تشكّل مصلحة خاصة ولا تنتمي إلى فرع من فروع الصناعة، ولهذا فهم أشد حيادًا بين المنازعات والنزاعات التي تنشأ بين أطراف المجتمع المختلفة، وهم الأقدر على أن يكونوا الحكماء النزيهين، والوسطاء الأمينين بين مصالح الأفراد والجماعات.

في عقد الثمانينيات من القرن الثامن عشر، كانت تلك المثل العليا القديمة في القيادة السياسية تذوب وتضمحل شيئًا فشيئًا، لا سيما في شمال البلاد. فقد كان الخط الفاصل بين النبلاء وأهل العامة، الذي لم يكن قويًا في الأصل في بلاد أمريكا، ينهار أمام أعين تلك النخب، وتبددت الفواصل التي كانت تحكمها الأعراف والتقاليد، فلم يعد التابعون يشعرون بذلك الهيبة والتبجيل الذي كانوا يملأ قلوبهم تجاه أسيادهم كما في الماضي.

وفي كل مكان، وبالأخص في الشمال، بدأ الناس العاديون، الذين كانوا بالذات من عامة الشعب، يستخدمون لغة الثورة المشهورة بالمساواة والحرية ليطعنوا في عروش أولئك السادة المفترضين، متّخذين من خطابات الثورة سلاحًا وقناعًا لمواجهة من طالما أطلقوا عليهم لقب السادة.

فإذا كان الإنسان لا يُميز عن أخيه إلا بالحصول على العلم والمعرفة، لا بالنسب ولا بالدم، فكيف لا تكون تلك الطعون موجعة، وذاك التحدي عظيمًا؟

وعلى الرغم من أن العامة، وإن افتقروا بعد إلى سمات النبلاء الحقة، فإنهم في تزايد مستمر صاروا يكتسبون ثروات ويثقفون أنفسهم ويستقلون بأرزاقهم، بل صاروا يقلدون السادة في ملبسهم وأدبهم وتصرفاتهم، لعلهم يقتربون من مقامهم، أو ينازعونهم مكانتهم.

وكانت الطبقات الاجتماعية تتهدَّم وتنقلب على نحو يعسر معه على الناس تحديد مراتب الرتب والدرجات التي كانت تخرج إلى الوجود من تلك الفوضى. فلم يكن أكثر الناس بعد يفكرون بمنطق “الطبقات” الحديثة التي نعرفها اليوم؛ تلك الطبقات الأفقية التي تتشكل من طبقات الدخل والمهن، وتكون متصارعة متناحرة، والتي ستصير في القرن التاسع عشر عرفًا مألوفًا.

من مطلع القرن الثامن عشر، نشأت في أذهان الفلاسفة والمفكرين أمثال دانيال ديفو محاولات للتفسير والتبرير لهؤلاء الذين يُسمُّون بالصنف المتوسط، أولئك الذين يعملون ويكدحون ولكن لا يُعانون من الحاجة أو الفاقة. هؤلاء العاملون الميسورون الذين يملكون دُرُوسَ المال والملك، كمثل الشاب الطابع بنجامين فرانكلين، أخذوا يتباهون بانفصالهم عن كسل الكبراء فوقهم، وعن عوز الفقراء تحتهم، فكانوا يحتفظون لأنفسهم بمكانة وسطى، لا هم في القمة ولا هم في الحضيض.

وكما قال أحد العلماء المبصرين، كانت تلك الخلطة الفريدة بين العمل والملك سببًا لتمييز هذا الصنف المتوسط عن النخبة التي تملك دون أن تشتغل، وعن أجير الأجير الذي يكدح دون أن يملك. فهؤلاء هم بذرة الطبقة الوسطى التي ستظهر في القرن التاسع عشر، وتصبح قوة كبرى في المجتمع.

وإن كان النبلاء ما زالوا يضعون هذا الصنف المتوسط الذي يشتغل ويعمل للمال مع الفقراء تحتهم في مصاف العامة، فإن كثيرًا من هؤلاء المتوسطين رأوا أنفسهم أندادًا للنبلاء، واحتجوا بحقهم في المساواة على أثر ما أطلقت الثورة من شعارات الحرية والمساواة. وكان عندهم مالٌ كثير، فلماذا لا يُعدون من النبلاء؟ وإذا لم يُحسبوا نبلاء، فليُخفضوا هم منزلة النبلاء إلى مستواهم، كما قال أحد المتشددين في بنسلفانيا عام 1775، ليصير الجميع على قدم المساواة، ويأخذ كل منهم نصيبه العادل من الثروة.

ثم بدأ هؤلاء المتوسطون يتبنون وعيًا حادًا بمكانتهم، فتحدّوا حق النبلاء في التميز والجلوس في أجنحة خاصة في المسارح، بل ومنهم من كتب المسرحيات، وبنى المسارح التي تناسب صنفه المتوسط.

وفي عام 1787، صيغ الدستور الفيدرالي جزئيًا لمعالجة هذه المشكلات التي أوجدها هؤلاء المتوسطون في الهيئات التشريعية للولايات. فإلى جانب تصحيح أوجه القصور في اتفاقية الاتحاد، أراد الدستور كبح جماح الديمقراطية الزائدة، وحماية حقوق الأقليات من سيطرة الأغلبية المتغلبة.

وما كان جيمس ماديسون من هواة أن يُشيّد دولة حديثة ذات سلطة تنفيذية مركزية قوية، كما رغب آخرون من الوطنيين كألكسندر هاملتون. بل إن ماديسون، على ما يبدو، لم يقدّر أبدًا سلطة التنفيذ كوسيلة لردع تجاوزات الهيئة التشريعية، حتى في الولايات، وظلّ تصورُه للسلطة التنفيذية في الحكومة الوطنية الجديدة ضبابيًا وعائمًا. حتى في أبريل من عام 1787، أخبر واشنطن أنه "لم يجرؤ بعدُ على تكوين رأي واضح في كيفية تكوين [السلطة التنفيذية] أو الصلاحيات التي ينبغي أن تعنى بها."

وكان ماديسون يعتقد أن من مصاديق تدابيره المساعدة، أن توسع وعلوّ الدائرة السياسية الوطنية سيعمل كمنخل ينقي الرجال الذين سيكونون حكامًا على الصعيد الوطني. ففي حلبة وطنية أكبر، مع جمهور ناخبين متسع وممثلين أقل عددًا، يميل الناس إلى تجاهل الرجال ضيقي الأفق الذين يتحلون بـ"طباع فئوية" و"تعصبات محلية"، وهم المتوسطون الذين سيطروا على مجالس الولايات في ثمانينيات القرن الثامن عشر، ويختارون بدلاً منهم فقط النبلاء الذين يتمتعون بالنزاهة والموضوعية.

لم يزهد قادة الثورة في أمل السياسة الأرستقراطية الفاضلة، التي يُمارسها، بحكم الطبيعة، قلة من أهل المجتمع. ففي خضم التنازع المحموم للمصالح الخاصة، لم يكن سوى قليل ممن قدّرت لهم أن يكونوا المؤسسين والمشرعين الذين، كما قال هاملتون، من "مقامهم السامي... ينظرون بازدراء لكل مسعى حقير أو مصلحة محدودة." أعلن روبرت ر. ليفينغستون في مجلس التصديق في نيويورك أن "الأغنياء يمتلكون شعورًا أنبل وأسمى من عامة الناس الذين تشغلهم همومهم وكروبهم." بل حتى جيفرسون أقرّ بأن القليل فقط "الذين وهبتهم الطبيعة العبقرية والفضيلة" يمكن "بتعليم حر أن يُجعلوا أهلاً لحراسة الحقوق والحريات المقدسة لمواطنيهم."

فالقليل هم الذين حازوا التعليم التحرري الواسع والمنفتح، بما يمكنهم من استيعاب كافة مصالح المجتمع المختلفة، والقليل فقط هم المستقلون المحايدون القادرون على الحكم بين هذه المصالح، رافعين المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة. وقد كان من المتوقع أن تثير هذه الرؤية النخبوية للدستور قوى المعارضة في أميركا التي كانت تزداد فيها روح المساواة، وتمتلئ بأهل الوسط الطموحين الذين يطلبون مشاركة في الحكم.

كما لاحظ الشاعر جوايل بارلو، فقد أخذت كلمة «الشعب» معنىً مختلفًا في أمريكا عما كانت عليه في أوروبا. ففي أوروبا، ظل الشعب جزءًا ضئيلًا من المجتمع — الفقراء والحثالة والحمقى والبؤساء، و«المنيو بوبل»، أو «البويبل» كما يُقال بالألمانية. أما في أمريكا، فقد أشار فيشر آيمز إلى أن «الطبقة التي تُسمى بالدونية، والحثالة، والحشود الكثيرة هناك، ليست موجودة.» إذ أصبح الشعب هو المجتمع كله، وحاز على طابعٍ كأنه مقدس. ففي أمريكا لا طبقات، ولا أرستقراطية وراثية، ولا طبقات منفصلة عن الشعب.

وربما كان بعض نبلاء أمريكا يبدون ازدراءهم للبسطاء في غرف طعامهم الخاصة، ولكن لم يعد بإمكان أي زعيم أمريكي أن ينعت الشعب علنًا بـ «القطيع الدهماء.» ففي مؤتمر التصديق في فرجينيا في يونيو 1788، استعمل إدموند راندولف هذا الوصف، فانهال عليه الديماغوجي الشعبي باتريك هنري، متهمًا إياه بأنّه بـ «تشبيهه الشعب بالقطيع، قد هبط بهم إلى أدنى مراتب الذلّ، من مواطنين محترمين مستقلين إلى عبيد خاضعين تافهين.» اضطر راندولف إلى الدفاع عن نفسه قائلاً إنه لم يقصد من استعمال تلك الكلمة إثارة السخط، وإنما فقط لنقد فكرة الحشد.

لقد وضعَ الطابعُ النخبويُّ الذي أُشيع حول الدستور نبلاءَ الفيدراليين في موقف دفاعيّ محرج. ففي إحدى مؤتمرات بنيويورك، حاول روبرت ر. ليفينغستون وألكسندر هاملتون جاهدين التملص من كل حديث مضاد للدستور عن الأرستقراطية. زعم هاملتون أنه بالكاد يعرف معنى كلمة «أرستقراطية»، وأنه ينكر وجود أي أرستقراطية تقليدية. فالنبلاء من أمثاله، قال، ليسوا «رجالًا رُفعوا إلى رتبة أبدية فوق مواطنيهم، يملكون سلطات منفصلة عنهم"، لكن معارضيهم من الطبقة الوسطى لم يقتنعوا بهذا التعريف القديم، واستمروا في توجيه الاتهامات للطابع الأرستقراطي لقادة الفيدراليين، الذين أطلق عليهم إبراهيم ييتس اسم «العاليين الطيران.» وكان هذا مجرد بداية اتهامات الأرستقراطية التي ستتكرر عبر العقود اللاحقة. 

لقد ولدت الثورة الأمريكية من رحم مُثُل التنوير الأوروبي، التي بشرت الجموع بالحرية والمساواة، لكنها سرعان ما غدت أسيرة النزع بين المُثل ومقتضيات الواقع الهيراركيّ. ففي ذات الوقت الذي رفعت فيه شعارات المساواة في الكتب والساحات والخطب، هيمنت في المجالس المغلقة أصوات تحذّر من مثالب الديمقراطية المطلقة، ومن طغيان الجماهير، واستبداد الشعب، والتفاوت الطبيعي بين الناس. ولئن كان المؤسسون قد سعوا إلى صوغ دستورٍ يحل إشكال التناقض نزعة الشعب المتطلعة وحكم النبلاء المتعلمين، فإن التجربة السياسية لم تفلح في حل هذا التناقض الكامن بين روح الثورة الشعبية وطبيعة السلطة النخبوية. من رحم هذا التوتر، وُلدت الجمهورية الأمريكية على هيئة صراع دائم بين وعد المساواة وحق الامتياز.

المشاركات الشائعة