بين الوثنية والمسيحية: العود الأبدي والتقدم






«لقد كانت الأبدية، بما هي صلحٌ مطلقٌ، أو تثبيتٌ للذات في كينونة تعود على نفسها في دوراتٍ لا تنقضي، محور فكر نيتشه.
 وقد اعترف في رسالة كتبها بعدما أصابه الجنون: أنه وإن رضي بمكانة الأستاذ، لم يكن له سبيل إلا أن يقدّم ذاته قربانًا، ويغدو "مهرج الأبديات الجديدة". وأما تلك الأبديّة الجديدة التي كشفها لنفسه، فهي، في حقيقة الأمر، نفسها الأبديّة القديمة، تلك التي دارت بها عجلة العالم عند قدماء الوثنيين.

إن كان ثمة ما يُسمّى بـ"تاريخ الأفكار"، ففكرة العود الأبدي تعد من الأمثلة المدهشة على ذلك، إذ أحيّاها نيتشه بعد ألفي عام من هيمنة المسيحية، ولم تأتِ الفكرة صدفةً كآثار عتيقة، بل إن ما حدث هو أن أحوال العصر قد استعادت روحها من جديد. وكان من المسيحية المعاصرة ما أثار فيه رغبة إحياء فكرة كانت مركز العقل الوثني، فلما شاهد خاتمة المسيحية البائسة، نظر إلى "مصادر جديدة للمستقبل" فوجدها في كنف الوثنية الكلاسيكية. وموت الإله المسيحي جعله يعاود النظر إلى العالم القديم، لا عن فضول شخصي فحسب، بل بعين العارف والناظر، وبخبرة الفيلولوجي الكلاسيكي. وكان كثير من العلماء يعرفون عقيدة العود الأبدي في آثار هيراقليطس وإمبيدوكليس وأفلاطون وأرسطو وأوديموس والرواقيين، لكن نيتشه وحده أبصر فيها بذور خلق المستقبل، معارضًا بها مسيحية صارت محصورة في القيم الأخلاقية. وبإحيائه هذه الفكرة، أظهر نيتشه أمانة فكره القائل بأن هناك نسقًا محددًا للفلسفات الممكنة، يكتمل في الزمان مرارًا، فليس باليسير أن يكون المرء معاصرًا متجاوزًا النسق الكلاسيكي والنظام المسيحي.

بيد أن نيتشه لم يدرك أن معارضته للمسيحية كانت نسخة مطابقة معكوسة لمعركة الكنيسة ضد الوثنيين في عصور الآباء الكبار. فليس فقط عقيدة العود الأبدي التي ناقشها يوستينوس وأوريجانوس وأغسطينوس، بل إن جميع مقالات الدفاع المسيحي عن النفس في وجه الفلاسفة الوثنيين قد تردّد أصداؤها في فلسفة نيتشه مع تبدل المواقف. فإذا وازن المرء بين حجج نيتشه وحجج كيلسوس وفورفيريوس، لن يعسر عليه أن يرى كم هو ضئيل ما أضيف على الحجج الأولى، باستثناء الاستعاضة عن مكانة الفيلسوف بمكانة ضد المسيح.

فلدى كيلسوس ونيتشه سواء، يبدو الإيمان المسيحي بدائيًا سخيفًا، يكدّر صفو عقلانية الكون بنزوة طائشة. والمسيحية في عيونهما ثورة عمياء من قوم جهلاء غلاظ، لا يفقهون فضائل الأشراف، ولا يعرفون واجبات المدن، ولا يرعون تقاليد الأسلاف؛ إذ هم في أوضَاع دنيّة، وجهّال غلاظ. وإلههم عندهما فضوليّ وقح، مُفرط في إنسانيته، "إله زوايا الظلام"، وعكّاز المنهكين. فإذا كان الغرض كلّه خلاص نفس بعينها، قال نيتشه كما قال كيلسوس: "فلِمَ إذن ثمة فائدة للروح المدينة العامة، ولِمَ يتعز المرء بأصله وفصله؟"

أولئك "الفوضويون الموصوفون بالمقدّسين"، الذين تسمّوا باسم المسيحيين، جعلوا غايتهم في تقواهم أن يضعفوا سلطان الدولة الرومانية، حتى تهيأت السبل للجرمان وسائر البرابرة أن يطووا لواءها تحت أقدامهم. فكتاب ضد المسيح عند نيتشه ليس إلا تردادًا للرفض القديم التي نعَت المسيحيين بأنهم أعداء الجنس البشري، وسفلة المراتب، وسيّئو الأدب والذوق. وهذه القرابة التاريخية بين سهام النقد القديم وحدّة الهجوم الحديث تشهد بأن كليهما عظيم الأثر في مجرى التاريخ، وأن ما طواه النسيان من الأول أعاد نيتشه بعث من جديد.»


«غير أنّ الإرادة، باعتبارها لا تدور في فلكٍ دائري بل تسير في خط مستقيم لا عودة فيه، فقد كانت أعظم معضلة واجهت زرادشت هي مسألة خلاص الإرادة من أُحديّتها التي لا رجوع فيها. فكيف تطيق الإرادة أن توافق سنّة الكون الدائرية، حيث كل تقدّم إلى الأمام هو عودٌ إلى وراء؟ وقد كان جواب نيتشه: إن الإرادة لا تخلص ذاتها إلا بأن تريد ماضيها أيضًا؛ أي أن ترضى طوعًا بما لم تُرِده، وهو الماضي بأسره، بما انطوى عليه من أحداثٍ وقعت وتحققت، وفي مقدّمها حقيقة وجودنا نحن، تلك التي لم يبتكرها أحد بإرادته ولا استحدثها بسلطانه.

وهذا كله ليس يونانيًا، ولا كلاسيكيًا، ولا وثنيًا، بل مستمدّ من التقليد العبراني–المسيحي، من الإيمان بأن العالم والإنسان مخلوقان بإرادة إلهية هادفة. وليس في فلسفة نيتشه التي أنكرت الإله ما هو أوضح من تشديده على الخلق والإرادة، وعلى الخلق بالإرادة، على منوال إله العهد القديم. أما عند اليونان، فالإبداع البشري لم يكن إلا "محاكاةً للطبيعة".

إن نيتشه قد جاوز طور الوصيّة الموروثة عن دين المسيحية، تلك التي أقرت: "عليك أن تفعل". فبدّلها بقول هذا العصر: "أنا أريد". غير أنه لم يخط بعد الخطوة الفاصلة، من "أنا أريد" إلى "أنا أكون"، وذلك هو حال الطفل الكوني؛ براءةٌ لا يشوبها دنس، ونسيانٌ يقطع أثر ما سلف، وابتداء كأنه الفجر المولود، ودائرة تدور بذاتها لا تستعين بغيرها.

وكأي إنسان حديث، كان نيتشه بعيدًا أشد البعد عن كل "وفاء للأرض" وعن كل شعور بأمن أبدي "تحت قبة السماء"، حتى إن جهده العظيم في إعادة مصاهرة مصير الإنسان بالقدر الكوني، أو في "ردّ الإنسان إلى الطبيعة"، لم يظهر بالنجاح، بل آل إلى الخيبة.

ومن ثَمّ كان مذهبه كلّما رام عرضه بالعقل انشطر إلى شطرين لا يجتمعان: عرضٍ للعود الأبدي كحقيقة موضوعية يُبرهن عليها بالفيزياء والرياضيات، وعرضٍ آخر له كفرضٍ ذاتي يُبرهن عليه بعواقبه الأخلاقية. وانشطارُه إنما هو لأن إرادة تأبيد وجود الأنا الحديث، الطارئ العارض، لا تنسجم مع تقرير الدورة الأزلية للعالم الطبيعي.»

لم يكن نيتشه "آخر تلميذٍ لديونيسوس"، بل كان أول مرتدٍّ جذري عن المسيح.»

— كارل لوفيث، المعنى في التاريخ




المشاركات الشائعة