مثال وهوامش

 ربما كان الفرد اليوناني ميتافيزيقيًا عبدًا للطبيعة وتقلبات أهواء الآلهة التي آمن بها، ولم يتعرّف على الفكرة الإبراهيمية القائلة بأن جوهر الإنسان هو علاقته بالمطلق وليس خضوعه للطبيعة أو الأقدار الاعتباطية المتقلبة، لكنه مع ذلك عاش قدرًا من الحرية قلّما شهدت مثله الإمبراطوريات التوحيدية القائمة على تحرير الإنسان من الأوثان، ومن عبودية البشر للبشر.

تظهر المفارقة أن المُثُل الإبراهيمية، التي قامت أصلًا على تحرير الإنسان من الخضوع للمخلوق، انقلبت في كثير من سياقاتها التاريخية إلى أدواتٍ لتأسيس استبدادٍ دولاتيّ يتناقض في جوهره مع رسالة التوحيد الأولى. وربما يكمن سبب هذا الانحطاط في جملةٍ من العوامل المتشابكة:

حدث انقلابٌ جوهريّ حين تحوّل التوحيد من فكرة روحية إلى مشروع سياسي مشروط بمحددات الواقع. علاوة على ذلك، ورثت الدول التوحيدية التي قامت بعد النبوّات الكبرى أنظمةً بيروقراطية وإدارية مشبعة بالمركزية والاستبداد، على نحوٍ يجعلها تعيد إنتاج النموذج الفرعوني أو الكسرويّ أو القَيْصريّ، مع تغيير الغطاء الخارجيّ فحسب.

كذلك غُيِّب البُعد النقديّ والروحيّ في هذه المُثُل، وتم استبداله بفقه سلطانيّ يُشرعن الواقع، ويقنن الخضوع، ويُفرغ النصوص من أبعادها الثورية. وأصبح دور كثير من العلماء هو حماية الدولة من الأخطار، لا تذكيرها بحدودها، فتمّ تحييد الضمير النبوي لصالح الإجماع السلطاني. وحينما تراجع الإيمان الفعليّ بالمطلق الغيبيّ، لم يُترك الإنسان للفراغ، بل سُدّ هذا الفراغ بمطلقات زائفة: الجماعة، الأمة، الخليفة، الدولة، الكنيسة، الزعيم... وهكذا تمّ تحويل المثل الإبراهيمية من علاقة حرّة بالمطلق إلى أداة لضبط الجماعة وإخضاع الفرد.

فكرة دوستويفسكي التي تقول إن المسيحية، وهو حال ينطبق على سائر الأديان التوحيدية، قد خلقت مثلاً أعلى لا يحتمله هذا العالم، تُعدّ مفتاحًا لفهم التناقض البنيوي الذي وقع فيه المشروع الإبراهيمي حين انتقل من الحيّز الروحي إلى حيّز الدولة والسلطة. فالفكرة الإبراهيمية، كما تجلّت في دعوات الأنبياء، كانت نداءً أخلاقيًا وروحيًا يتجاوز حدود العالم الماديّ، ويطلب من الإنسان أن يسلك في الأرض مسارًا جديدًا، ويدرك معنى الحرية الباطنية، والخضوع للمطلق لا للمصالح ولا للغلبة. غير أن هذا النداء، حين يُنزَل من أفقه المتعالي إلى واقعٍ تتداخل فيه المصالح، وتشتبك فيه الرغبات، وتتحكّم فيه الهياكل السائدة، يرتد إلى الوثنية المشروطة مرة أخرى.

فالواقع، كما أشار دوستويفسكي أكثر مرة، لا يقوى على حمل المطلق. إن الإنسان، حين يُكلّف بحمل رسالة تتطلّب نكران الذات والعدالة المجردة والتسامح غير المشروط، سرعان ما يبحث عن طرق لتخفيف العبء، فيلجأ إلى السلطات والمؤسسات والأنظمة. وهكذا تتحوّل العقيدة من تجربةٍ روحية حرّة إلى منظومة بيروقراطية تُدار، ومن علاقة بالمطلق إلى توترات اجتماعيّة تضبط وتراقَب، ومن حرية إيمانية إلى طاعة سلطوية.

وهذا ما يفسّر كيف أن التوحيد، الذي جاء ليُحرّر، صار في سياقات معينة مبررًا للاستبداد؛ فالدولة، بما فيها من منطق المصالح والتوازنات والردع، لا يمكنها أن تستوفي مثال العدالة الإلهية، لكنها تدّعي ذلك حين تتديّن، فتُفرغ التوحيد من مضمونه، وتستبقي اسمه كوسيلة للضبط لا للتحرير.

كما أن الواقع التاريخي والسياسي، بما فيه من صراعات، لم يسمح للمثل الإبراهيمية أن تتحقق في صورتها النقيّة. فالصراع على السلطة، والتهديدات الخارجية، والانقسامات الداخلية، كلها دفعت البابوات والسلاطين ونحوهم من النُخب إلى استخدام الدين كوسيلة تعبئة واستقرار في ظروف تاريخية كثيرة. ومع الوقت، أصبحت العقيدة نفسها حبيسة مؤسسات الدولة، يُنزع عنها بعدها الروحيّ لصالح بعدها الوظيفيّ.

إن التوتر بين المثال والواقع، بين الفكرة الإبراهيمية المجردة وتجلياتها في السياسة والاجتماع، هو توتر مأساويّ في جوهره. وقد وعاه دوستويفسكي حين صرخ بأن الناس لا يطيقون الحرية التي بشر بها المسيح.

على الرغم من أن الدول المتعاقبة، قد خانت حقيقة المثل الإبراهيمية، وسخّرتها لخدمة البنية السلطوية، لم تختفِ هذه الروح أبدًا، بل انسحبت إلى الهوامش، إلى الأطراف، فتجلت في الضمائر المقهورة التي رفضت أن ترى في التوحيد غطاءً للطغيان. نشأت العقائد الهيترودوكسية—غير الأرثوذكسية—كأشكال من المقاومة الروحية، وإعادة بعث للرسالة الإبراهيمية في وجه النسخ السلطانية منها.

يمكن تعليل ظهور تيارات المسيحية الغنوصية، وغيرها من التيارات غير الرسمية، أو المنشقة، التي انتعشت في القرون الثلاثة الأولى، ورأت أن الخلاص لا يأتي من الطقوس الكنسية، بل من "المعرفة الباطنية" (gnosis) التي تحرر الروح من سجن الجسد والعالم المادي، بالنظر إلى واقع هذا التوتر. فالغنوصيون وغيرهم من التيارات غير الرسمية قد سعوا بموجب هذا التناقض إلى تحرير مطلقهم من توترات الواقع المتنافي مع المثال التوحيدي.  كذلك الحال مع البروتستانتية في بداياتها، لا سيّما عند مارتن لوثر، الذي أعلن أن الضمير فوق المؤسسة، وأن العلاقة مع المطلق لا تمر عبر وساطة الكنيسة. ورغم أن البروتستانتية نفسها لاحقًا، ما لبثت أن تحوّلت إلى نظامٍ رسمي، فإن الروح الثورية التي أطلقتها كانت تمردًا على اختزال المقدّس في سلطة زمنية.

يمكن أيضًا قراءة التيارات الصوفية الأولى كحركات احتجاجٍ على التديّن الرسمي، الذي فَقَدَ روحه وانشغل بالمظهر والسلطة. كذلك حركات التشيّع المبكر، لا سيّما الثوري منها، قد كانت تعبيرًا عن رفض الدولة القرشية التي احتكرت الدين والسلطة معًا، وسعت لاستعادة البعد النبوي-الروحي الذي حُجِب وراء تعقيدات التاريخ.

تجلّى هذا أيضًا في التيارات اليهودية الميسانية التي انتظرت الخلاص لا من النظام الروماني أو السلطوي اليهودي، بل من تدخل إلهي مباشر، يتجاوز التاريخ والسياسة.

هذا التناقض بين المُثل العليا والواقع التاريخي والسياسي ليس نتيجة خيانة فقط، بل أيضًا نتيجة عجز بنيوي في العالم عن احتواء هذه المثل.




المشاركات الشائعة