تفسير الحياة بالمسطرة

ليس شيوع الاعتقاد بأن مصير الإنسان مرهون بحياة والديه وطباعهما، وما خلفاه من إرث مادي أو معنوي، نابعًا من بحث متأنٍ في أثر تلك العوامل، بل هو وليد عصر مأسور بآلة التنظيم، مأسور برتابة التكرار، تحولت فيه الحياة إلى مسار آلي ممل، أشبه بتنقل سلعة من خط الإنتاج إلى رف البيع. هذا الإيمان لا يولد من الفهم، بل من ميكنة الوجود، ومن خضوعه لتحكم فوقي، يقنن المسارات ويجبر الأقدار على السير في دروب معلّبة، وكأنها تدار من غرفة تحكم صناعية، لا من قلب نابض بالحياة.

حين تمسك التقنية بخيوط الحياة، وتُفرض المأسسة على أدق تفاصيلها، يغدو من السهل على الناس أن يظنوا أن هذه المحددات هي التي تسيّر المصائر، وأن لا مفر من المسير في قنوات سبق أن حفرتها أدوات المجتمع الحديث.

وتنجح هذه الرؤية – على ما فيها من فقر للمعنى – في تبرير الواقع، لأنها تستبعد كل ما هو عصي على التفسير، وتنفي كل ما يعكر صفو التبسيط المريح؛ فهي لا ترى الحياة إلا حين تُفرغ من تناقضها الثري، ولا تفهم الإنسان إلا بعد أن يُجرّد من كل ما يختص به من تاريخ وأفكار وشغف وتقلبات. إنها رؤية تصلح للبيانات والإحصاءات، ولا يمكن أن تغدو أبدًا موضوع أدب أو فن من أي نوع.

في عالم اليوم، لم يعد ثمة فراغ خصيب تولد فيه أفعال الإنسان العفوية والمعقدة، تلك التي تأبى أن تُختزل في حسابات جامدة أو معادلات معلّبة. ولا أقصد بنفي المحددات أنها غير موجودة، ولكن بين المحددات الصارمة ذات النتائج المتوقعة وتلك المتشابكة التي تأبى التنبؤ والتقعيد بونًا شاسعًا.

فإن فُهمت الحياة من خلال أهداف جاهزة مثل: تحصيل شهادة جامعية، أو تأسيس "مسيرة مهنية" وفق شروط التقدير الاجتماعي، أو إنشاء أسرة ترضي المعايير "الإعلامية" الحديثة، أو بلوغ "نجاح" اقتصادي يخضع لمحددات السوق والتنظيم الإداري، فإن صاحب هذه النظرة سيجد الحياة محددة سلفًا، لا لصالحه بل رغمًا عنه، محكومة بشروط لم يكن له يد في اختيارها.

أما من أراد أن يعيش حياته الخاصة، لا تلك التي كُتبت له بأقلام الآخرين، وتوقف عن محاولة إبهار الجماهير واسترضاء الأوهام السائدة، فسيدرك حينئذ أن الحياة أعقد من أن تُختصر في حاصل جمع لمحددات. النجاح ليس ثمرة الكفاءة وحدها، بل هو بلوغ غاية فيها من المادي والمعنوي ما لا يُحاط به بمعيار واحد. أما الكفاءة فليست سوى قدرة على تحقيق هدف محدد، لكنها لا تضمن سموًا ولا قيمة.

لا توجد وصفة ناجحة لتكوين أسرة سعيدة، ولا قانون حتمي لإنشاء ذرية صالحة، ولا سُلّم مضمون للارتقاء في أي مجال من المجالات، إذا أخذنا في الحسبان الاعتبارات القيمية التي تعجز لغة التقنية عن إدراكها. ذلك أن "القيمة" بطبيعتها تأبى الاختزال، ولا تُرد إلى معايير باردة كما تُرد الكفاءة. فإذا أردنا دراسة حي يسكنه أناس من مشارب دينية وقيمية متباينة، فإن المعايير الإحصائية الشائعة – كالأمية والدخل ومستوى التعليم – لن تسعفنا كثيرًا، لأنها لا تقيس إلا ما تظنه مهمًا، ولا تفهم إلا ما قُدر لها أن تفهمه، فتسقط في الدوائر المفرغة من المعرفة الحقة.

وهل يستطيع أحد أن يضع قانونًا يضمن لرجل أن يجلس مع ولده ليعلمه الحكمة؟ قد يقال: المسألة رهن بالوقت المتاح، ولكن هل الحكمة تُلقن كدروس المدرسة؟ قد تخرج من فم الوالد في نزهة عابرة، جملة واحدة تخلد في نفس ابنه أثرًا لا تفعله ساعات تعليم متراكمة.

إن التأثيرات التي تُنقش في أعماق النفس ليست طبخة يمكن إعدادها وفق وصفة دقيقة. وإلا لكان في الوسع أن نحب من نشاء، أو نكتب أدبًا عظيمًا إذا توفرت لنا شروطه الاقتصادية، أو ننتج قادة سياسيين كما تُنتج المصانع أدواتها.

لقد سُلبنا عفوية الحياة، حين سُلّطت علينا آلتان اثنتان: آلة التحكم في مسارات الحياة عبر التقنية، وآلة التضليل التي تقنعنا أن هذه الحياة التي نحياها اليوم هي كل الحياة، وأن لا وجود لما هو خارج نطاق ما تسيطر عليه الآلة.







المشاركات الشائعة