كازينسكي والتقنية
أقرّ العم تيد، في كتاباته المناهضة للمجتمع الصناعي الحديث، بأن التقنية تنطوي في ذاتها على معضلة تجعل التراجع بعد تحقيق أي اكتشاف تقني أمرًا مستحيلًا من حيث المبدأ. وعليه، رأى أن خيار العدول عن استخدام تقنيات ظهرت بالفعل هو خيار غير معقول، نظرًا لأن حاجة البشر إلى التقنية التي تسهّل حياتهم – وإن سلبتهم حرياتهم في الوقت ذاته – تفوق إدراكهم لحقيقة أن هذه التقنية تصادر معظم حقوقهم، وتجعلهم جزءًا من نظام محكم السيطرة، يخطط لمعظم محطات حياتهم من المهد إلى اللحد.
بيد أن كازينسكي فرّق بين نوعين من التقنيات:
التقنيات البسيطة، التي تحظى بانتشار مجتمعي ولا تعتمد على مؤسسات مركزية تغذيها يومًا بعد يوم،
والتقنيات المعقدة، التي يستحيل أن تعمل دون وجود هذه المؤسسات.
ومن الأمثلة التي ساقها في هذا السياق، كيف أن سقوط الإمبراطورية الرومانية أفضى إلى ضياع كثير من المعارف الهندسية والعمرانية لقرون طويلة، لا لأنها تلاشت من أذهان البشر، بل لأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي آنذاك عجز عن تأسيس سلطات ومؤسسات مركزية قادرة على استيعاب هذه المعارف وتوظيفها وتنفيذ تطبيقاتها التقنية.
في منظور كازينسكي، لا يمكننا محو وجود الذكاء الاصطناعي أو الطاقة النووية من عقول الناس، لكن من الممكن إزالة البنية الحضارية التي تُمكّن من استخدامها. وكما طُويت صفحات معارف حضارات سالفة بعد سقوطها، فإن سقوط نظامنا الحالي قد يؤدي إلى دفن أخطر أدواتنا التقنية في ركام النسيان.
لكن كازينسكي غفل عن حقيقة أساسية، وهي أن التقنية في عصرنا لم تعد حكرًا على المختبرات المركزية، بل أصبحت معمّمة وموزّعة، يحملها الأفراد في هواتفهم، وتُخزن في سحابات رقمية لا تخضع لمكان واحد أو سلطة واحدة. بل إنه حتى لو دُمِّرت البنية التحتية في بلد أو قارة، فإن بنيات أخرى قائمة في أماكن مختلفة يمكنها أن تستوعب المعرفة وتُحييها، بل وتُصدّرها من جديد. لذا فإن الرهان على "انهيار شامل"، كما يطمح كازينسكي، هو رهان شديد الهشاشة، وأقرب إلى حلم أناركي منه إلى استراتيجية واقعية.
لقد غدت التقنية اليوم شرطًا من شروط البقاء، لا مجرد ترف حضاري. فالتدفئة، والغذاء الصناعي، والمضادات الحيوية، وحتى الاتصالات في مناطق الكوارث... كلها صارت أمورًا يستحيل الاستغناء عنها فجأة.
بل إنّ الحرب الحديثة نفسها باتت قائمة على الهيمنة التقنية؛ فكيف يمكن أن تنهار التقنية بينما تُستخدم في صراع القوى الكبرى من أجل البقاء؟ لا يمكن أن ينهار النظام الصناعي من جميع نواحي العالم دفعة واحدة، لأنه بات أداة صراع وبقاء، لا مجرد سياق اجتماعي.
يُقرّ كازينسكي بوجود تقنيات بسيطة يمكن للناس أن يتوارثوها ويعيدوا ابتكارها بشكل مستقل (كالزراعة اليدوية، وأدوات النجارة، والصيد)، مقابل تقنيات معقدة لا تعمل إلا بوجود مراكز إنتاج ضخمة ومؤسسات مركزية (كالشبكات الكبرى، والطاقة النووية، والبنية الحوسبية العالمية). وهو يرى أن هذه الأخيرة، إذا فقدت حواضنها الاقتصادية والسياسية، فإنها تفقد فاعليتها تمامًا، حتى لو بقيت محفوظة نظريًا.
لكننا اليوم نعيش في واقع أكثر تعقيدًا من زمن سقوط روما؛ إذ لم تعد المعرفة التقنية تُنتج أو تُنقل من خلال مؤسسة واحدة، بل أصبحت جزءًا من نظام لا مركزي معولم يصعب تدميره بالكامل.
فكيف يمكن إذًا إسقاط حضارة تملك تقنيات استنساخ معرفي ذاتي، تجاوزت مركزية الإنتاج وتحولت إلى نظام موزّع قادر على العمل حتى في حالات الانهيار الجزئي؟
رؤية كازينسكي تمتاز بعمق فلسفي ونقد جذري، لكنها تقوم على فرضية انهيار عالمي شامل، وهو افتراض يصعب تصديقه في ظل تشابك المصالح العسكرية والتقنية والاقتصادية والبشرية.
نعم، قد تتداعى بعض المؤسسات وتنهار أجزاء من النظام، لكن هذا لن يؤدي إلى نسيان المعرفة التقنية، بل ربما إلى انتقالها إلى أيدٍ جديدة أكثر تحكمًا وبأسًا.
إن شكل الانهيار الذي قد يجعل حلم كازينسكي ممكنًا لن يكون شبيهًا بانهيار روما. فالتقنية التي نملكها اليوم لا يمكن أن تتوقف فجأة عن العمل بمجرد انهيار بنية فوقية ما؛ بل إن توقفها المفاجئ قد يفضي إلى كوارث بيئية تجعل حياة البشر على الكوكب شبه مستحيلة.
وفوق ذلك، فإن بنية التقنية الحديثة – وإن اعتمدت على مؤسسات مركزية ومعامل وجامعات – لم تعد قابلة للتصنيف وفق ثنائية كازينسكي التي تفصل بين "تقنية فوقية" تنتمي إلى منظومة معقدة، و"تقنية تحتية" مجتمعية متجذّرة. لقد حدث تشابك وتداخل يجعل التقنية المعاصرة لا تنتمي للفوقية وحدها، رغم اعتمادها الكبير على تلك البنى.
ما يراه تيد من إمكانية لتدمير البنية الفوقية قد يكون ممكنًا على نطاق دولة أو حتى قارة، لكن على مستوى الكوكب يصعب تصوّر مثل هذا الحدث دون خسائر كارثية لن تفضي إلى عودة المجتمعات القديمة، بل إلى حالة شبيهة بأفلام نهاية العالم، حيث لا يملك البشر حتى ذلك الشعور المزيّف بالأمان الذي توفّره المجتمعات الصناعية.
وعليه، فإن حل كازينسكي لا يمكن أن يقود إلى استعادة امتيازات المجتمعات التقليدية الطبيعية، بل إلى حالة تُصبح فيها حتى امتيازات الحضارة الحديثة الهزيلة مجرّد حلم بعيد المنال.

.jpg)