الإرادةُ مَهدُ الحياة، والعقلُ مَحجرُها
«ترونَ يا سادتي، إنّ العقل أمرٌ جليل، لا خلاف في ذلك، لكنه يبقى مجرد عقل، ولا يُشبع إلا الجانبَ المنطقيّ من طبيعة الإنسان. أمّا الإرادة، فإنها تجلّي الحياة بأسرها، أي الحياةِ الإنسانيةِ الكاملة، بما فيها من عقلٍ ونوازع. ومع أنّ حياتنا، في هذا الشكل من تجلّيها، كثيرًا ما تكون بلا قيمة، إلا أنّها تبقى حياة، وليست مجرّد استخراجٍ للجذور التربيعية.»
― فيودور دوستويفسكي، رسائل من أعماق الأرض
إنّ رفض الإنجاب، مهما استند إلى عمق التأمّل، ودقّة الحساب، واتساق التقدير مع المعطيات الحاضرة، لا يعدو أن يكون ضربًا من الاستبداد المُبطن، والأنانية المقنّعة.
لقد شاع في ألسنة الناس أنّ الفقير يُكثر الإنجاب لفقرٍ في تبصّره بالنتائج ومآلات الأمور. وغدا هذا الأمر في عُرفِ المثقفين دليلًا على شقائه وسببًا في تردّيه، بحسب معايير مخصوصة للسعادة والراحة. أما المتعلّمون والمثقّفون، فقد شغلهم الحساب، واستبدّ بعقولهم منطقُ العِلَل، فصاروا لا يُقبلون على الإنجاب إلا بعد جرد الواقع، وحساب التكلفة؛ وكأنّهم يُنشئون مصنعًا لا حياةً.
وإني لا أنكر ما للحياة من قيودٍ قاسية، وأغلالٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ وثقافية، وما يختص به هذا العصر من تقييدٍ محكم. كما لا أعارض فضل التفكّر والتخطيط. غير أنّ ثمّة حقيقةً خافتةً، يبدو كما لو أنها كأنها كُتِبَت بخطٍّ رماديّ في صفحةٍ قاتمةٍ، وهي أنّ المصائر لا تُقرأ كما تُقرأ المعادلات، وأنّ التقدير النهائي المسبق لحياة النفس مستحيل الإدراك. فكيف بحياةٍ لم تُخلق بعد، قد تؤول إلى ما لا يخطر ببال، وتغدو فيها كافة "المعادلات" هباءً منثورًا؟
أما رأيت أنّ الإنسان يعيش عمره في تقلّبٍ دائم، تتبدّل فيه معاييره، وتنهض فيه قيمٌ جديدة، لا تدخل تحت سلطان الحساب، ولا تخضع لمعادلة السبب والمسبَّب؟ فكيف بحياةٍ أخرى تُنبتُ على هامش هذه، وتتغذّى من تقلباتها وتحوّلاتها؟
وأما من قال إنّ إنجاب الولد ظلمٌ له، لعلمنا بما سيلاقيه من الشقاء، فقد نسي أنّ الألم ليس إلا ظلًّا للنعمة، وقرينًا للارتقاء، ومصاحبًا للحب، وأنّ النفس لا تُصقل إلا بأثقال المعاناة والتجربة. وهل نشأت الأرواح العظيمة إلا في رحم الشدائد؟
إن العالِم بالتاريخ ليشهد على أن كل حياةٍ عميقةٍ جديرةٍ بالذكر قد مرّت في طورٍ من أطوارها بمرحلةٍ يراها العاقل ضيقًا وشقاءً، لكنها في حقيقتها تربةٌ لولادةٍ جديدةٍ، وتحوّلٌ يشبه انبثاق الزهر من بين الصخور.
إنّه لخطأٌ جسيمٌ أن نعتقد أنّنا قادرون على وزن الحياة مسبقًا بميزان الأرقام والمعادلات. فالحياة ليست تجربة مخبرية تجري وفق معادلات ثابتة، بل عاصفةً تزخر بالتحولات والتقلبات، ولا يمكن حصرها في خانات الأسباب والنتائج.
إنّ الحساب في هذا الموضع ليس سوى سجنٍ للنفس، وسورٍ يقف بين المرء وبين إدراك قوة المصير.
إنّ الرؤية المسبقة للحياة لهي ضربٌ من الغرور، وخوفٌ مقنّع، وربما اختباءٌ خلف قناع الحكمة لإخفاء هشاشة النفس.
ليس الإنجاب قرارًا عقليًا بحتًا، ولا يُمكن أن يكون كذلك، بل هو صورة من صور الإيمان بالإرادة، وحب بالإنسان، والثقة في الحياة، والتمرد على الضمانات الزائفة التي تلوّح بها المعادلات الباردة. إنه وعدٌ بأن نُهدي الوجود نفسًا جديدة تتألم وتعاني، وتحب وتضحك، وتنهض وتشقى، وتبتئس وتندم، وتفكر وتموت.
لا ينبغي أن نرضى بالإنجاب كمجرد استجابة لغريزةٍ دفينة، أو كثمرةٌ ناضجة لحسابٍ رياضيٍّ دقيق، بل كفعلٍ سياديٍّ، يتمرد على صرامة التقديرات، ويُعلن قدرة الإنسان على اقتراف خطيئة الحرية وسط عوالم نحتتها القيود والتشريعات والعوائق.
وفق هذا المنظور، يغدو قرار الإنجاب تمثيلًا راقيًا لحرية الفرد المتيقن من أن ثمة حقيقة يحتويها الوجود الإنساني أسمى من القيود، وأعمق من التنبؤ، وأقدر على التشكّل والتحوّل مما تظنه العقول المقيّدة بشبكة القوانين والمعايير التي خلقتها. يُجلّي الإنجاب اعتقادًا بأنّ حريتنا أوسع من مداركنا، وأنّ إرادتنا أصلب من القيود التي تنسجها عقولُنا حول ذواتِها.
إنّ التقديرات الحسابية التي يُلوِّح بها أصحابها كأسمى أشكال الحكمة ليست في كثير من الأحيان إلا قناعًا للجبن، وصورة مستترة من صور الاستكانة للواقع، والتسليم بسطوة ما هو كائن، على حساب ما يمكن أن يكون: استسلام خفيّ لقوانينٍ لم تُكتبها الإرادة، بل أُملِيَت بفعل الخوف والتعوّد، والانبهار بأرقامٍ جامدة لا تعرف نبض الإنسان. إنها ضرب من ضروب الاستبدادٌ الذي لا يُمارس بالسوط، بل بمسطرةٍ تُقيس الحياة بوحدات الخسارة والربح، وتختزل معنى الوجود في حساب الجدوى، وكأن الإنسان مشروعٌ اقتصادي لا روح فيه، أو معادلةٌ باردة لا متسع فيها للعجائب.
فإن يكن هذا القرار قد انبثق عن ميزانٍ حسابيٍّ بارد، فهو صوتُ مَن لم يدرك بعدُ أن الحياة تُنتزع انتزاعًا من بين أنياب الاحتمال، وأنّ الحريّة الصادقة إنما تكمن في تلك المجازفة الخلّاقة، التي تجابه القدر بجرأة وتقول له: "إنني لستُ عبدك، بل شريكك؛ إنني كائنٌ يخطّ في صفحة المصير بعضًا من إرادته."

.jpg)