قولٌ في فرعونية مصر
نعاني في مصر من أزمة عظيمة، منشؤها ذاك الاستثمار العاطفي في صناعة هوية زائفة، تُسوّق إرثًا تاريخيًّا تقطّعت بينه وبين واقعنا أسباب الصلة، وتستند إلى تأملاتٍ في نظرياتٍ خاوية، ورثناها عن حقبة النهضة العربية كما تُورث الخرافة، ثم أُقحِمت في مقرراتنا التعليمية.
الحقيقة المؤسفة أننا لسنا أحفاد الفراعنة، حتى وإن طابقت جيناتنا جيناتهم؛ لأننا إذا حاولنا الرجوع إلى أقدم مكونات ثقافتنا، عدا الثقافة الشعبية، التي ينبغي أن يخترع لها المختصون مسمى أدنى من كلمة الثقافة، فلن نبلغ أبدًا انهيار العصر البرونزي. وعموم إرثنا، وإرث المنطقة عامةً، ينتمي أكثر إلى آفاق ما وصفه ياسبرس بالعصر المحوري (Axial Age)، الذي يظهر إرثه فجوة كبرى بينه وبين القرون "السحرية" السالفة. هذه الفجوة دفعت الكثيرين إلى التفكير في احتمال حدوث تحولات كبرى على مستوى الحضارة والوعي في هذه المنطقة، التي ضمت معظم سكان العالم المتحضر، بهدف تفسير هذا التحوّل.
إن الانتماء إلى حضارةٍ ما لا يقتصر على فهم إرثها عبر دراسته في قاعات الجامعة، بل هو شعورٌ عميق باتصالٍ حيّ بين الآفاق الحضارية التي تعيشها والآفاق التي أفرزتها تلك الحضارة. فكثير منّا، في القرن الواحد والعشرين، رغم مسافة القرون التي تفصلنا، ما زال قادرًا على إقامة حوارٍ حضاري مع أفلاطون وسقراط، والقديسين بولس الرسول وأوغسطين، وابن سينا والفارابي، وأحيانًا مع إسخيلوس وأرسطفان. بل حتى الإرث العبري اليهودي الأجنبي جغرافيًا قد ظل أكثر حيّويةً وتأثيرًا في واقعنا وقيمنا، من إرث أجدادنا، الذي لم يتبقَ منه سوى بعض المظاهر السطحية في الثقافات الشعبية الشفوية. أما الثقافات الرفيعة التي تُنتج الشعر والأدب والفن والفلسفة وما يليق بذلك من علوم، فهي تقع في مدار آفاقٍ تمدَّدت بين اليهومسيحية واليونان والرومان والإسلام، ثم الحداثة التي تلت.
إننا لا نجد أصلًا في سجلات الحضارة المصرية القديمة شخصًا يحمل صفة المؤلف كما نفهمها اليوم، فلا المصريون القدماء عرفوا مفهوم الفردية في التأليف، ولا تبنّوا فكرة الكاتب الذي يُعبّر عن ذاته وأفكاره وينقلها للعالم. كان لديهم نهج مختلف في التعاطي مع المعرفة والكتابة، إذ كانت الألواح والنصوص لا تروى سرديات شخصية، بل تُكرّس للطقوس المقدسة والأساطير الجماعية، والأوامر الملكية، والتعاليم الدينية، وكل ذلك عُدَّ جزءًا من منظومة ثقافية لا وجود فيها للفرد أصلًا.
لم تنجُ أية ثقافة عالية من عاصفة الانهيار البرونزي في منطقتنا بنسبٍ تقارب ما بقي من إرث الفرس واليهود، وما تبقى من الثقافات الأخرى استمرّ معظمه محصورًا إما في صيغ مخففة، أو أكاديمية، أو في ممارساتٍ دينية شعبية، غدت تقترب إلى حد الهوس في تقديس الحيوانات في مصر، وهو أمر سخر منه الرومان وشجبوه بأسى وغضب.
صحيحٌ أنك إذا ما تأملت حال مصر الشعبية، المنفصلة عن مقاليد الحكم في العصر الروماني، وجدتَها لا تزال تعيش في آفاق ما قبل ذلك الانهيار العظيم، غير أن ذلك لم يتعدى حدود الثقافة الشعبية الخاملة، لا في الثقافة الرفيعة المنتجة الخلاقة. فقد ظل المصريون، حتى حقب متأخرة جدًا، يقدسون العالم بنظرةٍ سحرية، بينما المسيحية - باعتبارها الدين الذي بلوّر أعمق أثار هذا التحول - كانت تجتث شيئًا فشيئًا ذلك التقديس من الأرض، وتحمله إلى علياء السماء. وحتى المسيحية المصرية، في هذا السياق، ظلت هي الأكثر أسطورية، والأشد تشبثًا بتقديس الموجودات، كأنها تحفظ في أحضانها بقايا ذلك العالم السحري، رغم زخم التحولات الفكرية التي جرت.
إن الميل إلى نزع التقديس «Desacralization» — ذلك التحول الجلل الذي وسم العصر المحوري (Axial Age)، ومهّد السبيل إلى أنماط جديدة من التدين — لم يعرف له المصريون سبيلاً؛ إذ انفصلوا، عن وعي أو بدونه، عن ثقافة السادة المتتابعين من يونانيين ورومان وعرب، وارتبطوا في وعيهم الجمعي بمقدساتٍ بدائية، اتخذوها ركيزة لهويتهم، لا لأنها تنتمي إلى فكرٍ متعالٍ، بل لأنها وحدها ما تبقى لهم من إرثٍ لم يُنازعهم فيه أحد. فبينما كانت الأمم تنزع القداسة من الأرض وترفعها إلى سماء الفكر، كان المصري الشعبي يشدها إلى الأرض، ويجعل من المخلوقات أصنامًا للوجدان، لا بوصفها رموزًا، بل بوصفها مقدسًا يعبد فيه ما يشبهه.
قد يحتجّ محتجّ بأن هذا الميل إلى التقديس السحريّ، لا يزال باقيًا في مصر، وأن في ذلك ما يدل على صلةٍ خفية بين المصري المعاصر وسلفه القديم. وهذا القول، وإن احتوى بعض الصواب، فلا بدّ أن يفهم في ضوءٍ يُنزله منزلته، ويضعه في سياقه. فالرابطة التي يُشار إليها، إنما تمتد لا إلى العلياء، بل تنحدر إلى أسفل سُفول الوجود، إلى تلك الأنماط البدائية التي لم تبرح القرى النائية والمناطق المهمَّشة، وتعيشها بعض الأطراف غير المركزية: الوجود كحفرية تاريخية.
إنّك، متى انحدرت إلى مستوى الثقافة الشعبيّة، في أيّ مكانٍ على وجه البسيطة، وجدت فيها أصداءً بعيدة لعهود قديمة تحاكي ما كان عليه الإنسان في الأزمنة القديمة. وهذه ليست بسمة تخص أهل النيل دون سواهم، بل هي خاصّة القرى والأطراف في كل أمم الأرض؛ فهي الحافظ الأمين لطريقة العيش التقليدي، رغم تأثرها المحدود بالمراكز، وهذا يجعلها تعيش دائمًا في طبقاتٍ متراكبة من الأزمنة، حيث يمتزج الحاضر بالموغل في القِدم. وفي هذا المضمار، لن نضاهي لا السودان ولا إثيوبيا، ولا أي دولة من دولة الجنوب الإفريقي، الذي لا زال متشبثًا بأجداده لا لشيءٍ إلا لنمطه الحضاري المشوه، ووجوده الحفري الصامت.
غير أن الحضارة، إذا قيست فإنما تُقاس بمراكزها لا بأطرافها، وبما تُنتجه من فكرٍ وثقافة، لا بما ترسب في الهوامش من ممارسات.
حين كان بليني يخطّ موسوعته عن تاريخ العالم — وهو يعني به تاريخ الكون كلّه — كان الفلاح الروماني في قرى الإمبراطوريّة النائية لا يزال يعيش كما عاش سلفه في عصور ما قبل الكتابة. فهل نقول إنّ روما — وهي في ذروة مجدها — كانت لا تزال تعيش في أساطير ما قبل توحيد شبه الجزيرة؟ كلاّ، فالهوامش دائمًا متأخرة: إنها تعيش في حقب منسية لا تصل إليها يد التغيير إلا بعد أزمان.
أتدرون لم عجز التدين السلفيّ — بما فيه من عداوةٍ للرمز والمجاز — عن النفاذ إلى قرى مصر البسيطة؟ لأنها تعيش في طبقات حضارية قديمة تُفضّل الخيال على الفكرة، والصورة على المفهوم، والملمس على التجريد. فهي لا تفهم كيف يوجد تدين لا يعرف من القداسة إلا ما وضع في الكتب.
لفهم واقع ثقافيّ متشعب كواقع مصر، الذي عصفت بها تحولات جسام، لا بد من استحضار مفهوم 'الپالِمْسِسْت' (palimpsest)—ذلك الرقّ أو الجلد الذي كُتب عليه نصّ، ثم مُحي، ثم كُتب فوقه غيره، وتم ذلك مرات عديدة، فبقيت آثار الكتابات القديمة ظاهرة. هكذا يبدو وجه مصر: طبقات متراكبة من أزمنةٍ متباعدة، تتعايش في جسد الحاضر، كأنّها ترسّبات أنطولوجيّة ساكنة، بيد أنها قد تنشط بفعل بعض المهيّجات.
وليست مصر في هذا استثناء، فالتراكب الزماني حال الحضارات جميعًا، لكن بنسب متفاوتة. الهند والبرازيل، مثلًا، تعيشان تحت وطأة هذا التراكب بألوانه الحادّة، ومصر—وإن خفّ الأمر فيها بالمقارنة—فهي لا تزال من نفس الفئة.
ثمّة نخبة مصرية تنتمي إلى زمن معاصر، تعيش في المركز، تتشح بوشاح حديث، لكنّها تحكم أمّةً تتكوّن من طبقات تاريخية شتّى، تحيا في أزمنة متراكبة، تعكس كل منها عهدًا من العهود: من الوثنية الأولى إلى التقنية المعاصر.
إن مردّ هذا التراكب عائدٌ في معظمه إلى عوامل كعراقة الإرث، وتشظّي تجربة الحداثة، التي لم تتغلغل في النسيج برمّته كما في أوروبا أو الشرق الأقصى، بل جذبت إليها فئات، ونفرت منها أخرى، فظلّت العناصر القديمة—بعقائدها، وممارساتها، وخرافاتها— باقية على حالها القديم.
لكن، على وجه العموم، لا ينبغي أن يُفضي هذا التراكب الزمني إلى وهمِ انتمائنا للفراعنة، كما يروّج له العاطفيون من ذوي الهوى القومي الزائف. فإنّ صلتنا بتلك الحقبة ليست صلة دم ولا روح، بل هي سلوك ارتداديّ متقهقر، يظهر في طقوس التقديس التي تمارسها الفئات المنعزلة—من فلاحين في الأرياف النائية، وقاطني الأقاليم المهمَّشة، وسكّان الصحارى والجبال—تجاه مظاهر سحرية، وعادات خرافية يشجبها الناس بقدر ما يغوصون في نمط المركز.
صحيح أن مؤسسات الدولة نفسها لا تخلو، برغم حداثتها الظاهرة، من تلك الآثار نفسها، لكن ما فيها يظل أخفّ وطأة، وأقل جلاءً، من العناصر الأخرى.
إن ما يربطنا بمصر القديمة ليس المسرح المرسوم، ولا الفن الراقي الذي يعشقه المثقفون، فلا المسرح مصري، ولا الفن مصري، ولا هذه التقسيمات مصريةً أصلًا (لم تعرف مصر سوى التقديس كنشاط جامع لكل شيء)، بل تلك الممارسات السحرية الباقية التي يتأفف منها الجاهل قبل المتعلّم، والتي تنتمي إلى إترداد بدائيّ، لا إلى وعيٍ حضاريّ.
حين نبحث عمّا يُنسب إليه حيز ما على مستوى الحضارة، وجب علينا أن نُعرض عن تلك الرواسب الراكدة، التي تعيش على هامش الزمان، ونلتفت إلى الجزء الفعّال، النابض، الذي يفكّر ويخطّط ويبدع: إلى ما يُبديه المتعلّم إذا خلا إلى نفسه، وما يسطره قلمه حين يكتب، وما يصوغه وعيه إذا عمل أو خطّط. فذلك هو الجوهر الذي يُقاس به الشكل الحضاري، لا صدى الماضي المتهدّم.
في هذا السياق، قد أشاطر مارينيتي بعض أفكاره الثورية التي لربما تقتحم جمود واقعنا الثقافي الراكد. مثّل مارينيتي أقلية ثورية داخل المعسكر الفاشي، إذ رأى أن مستقبل الحركة لا ينبغي أن يقوم على التمسك بالماضي والارتداد إليه، بل في احتضان المستقبل احتضانًا ينطوي على معاداة الماضي وتدميره. بيد أنّه في غلوه بلغ مرتبة تقارب الجنون حين دعا إلى إلغاء كل ما هو تقليدي، فتمادى حتى في رفض الطعام والشراب، ووصل به الحد إلى تمنى محو المعكرونة من الوجود! ولم يكتف بذلك، بل تمنى تحطيم كل إرث إيطالي، من متاحف مكتبات وجامعات، ظنًا منه أن هدم الأجسام المادية يكفي لتحرير الروح. غير أن ما فات مارينيتي أن التهديم المادي لا يثمر شيئًا ما لم يسبقه تحرر الروح المعنوي من وطأة الماضي، ومن أسرار فكره المستكنة في الضمير الجماعي. فليس المطلوب في حالتنا مثلًا أن يُهدم تمثال أبو الهول ليفرغ محيطه من معتقدات خرافات ما قبل الميلاد، وإنما يكفي أن يُنظر إلى ما جسده ذلك التمثال من أفكار وعقائد باعتبارها حقبة عابرة، قد لا تكون متخلفة، ولكنها بلا ريب عجيبة، وأبعد ما تكون عن إشكالات واقعنا وتحدياته. بصورة أو بأخرى، نظل في حاجة ماسّة داخل فضائنا الثقافي إلى فكر مماثل لما خطه مارينيتي، لترجح الكفة في ميزان الأفكار بعض الشيء في هذا المضمار.
.jpg)