الواسطة بين وصال القربى والكفاءة

 


لا تخلو المجتمعات الآسيوية المتقدمة صناعيًا مما يعدّه العرب سبب تخلّفهم: الواسطة. غير أنّ الفارق يكمن في طبيعة نمط التفضيل الآسيوي الذي لا يقوم على معايير القرابة دون اعتبار للكفاءة والأهلية. يكمن الفرق الأساسي في أنّ المجتمعات التي تملك "رأس مال بشري" فريد من نوعه — أي شبكة من الخبرات الثقة المتبادلة والمعايير الأخلاقية — تكون قادرة على استيعاب أنماط الوساطة في التوظيف دون أن تنهار الكفاءة المؤسسية، وذلك لأنّ التوسط يُضبط بقواعد الأهلية والجدارة. 

على النقيض من ذلك، لا تُعدّ المناصب في معظم الدول العربية سوى واجهات اجتماعية يُراد بها كسب تقدير الجماعة واحترامها، وإنّ أدّى ذلك إلى تبديد موارد المؤسسة. يمارس الآسيويون ما اعتادت ممارسته الأسر الملكية الحاكمة والعائلات الرفيعة في الأنظمة القديمة، حيث بلغ بها الأمر، في بعض الأحيان، أن تقتل من قد تُفضي أفعاله إلى تهديد مكانة العائلة أو الطعن شرفها أو نزاهتها.

لقد اعتادت هذه العائلات أنّ تُورّث المناصب داخل الجماعة، بيد أنها التزمت، في ذلك، بمعايير قيميّة لا شخصانية.

حقيقةً، لا وجود لمجتمعٍ "عادل" وفق القيم الطوباوية المعاصرة لا تتحدّد فيه مكانة الفرد الاجتماعية بحسب منشئه. وعلى الرغم من تفاوت إمكانات الترقّي الاجتماعي باختلاف طبيعة المجتمعات، فإنّه لا يوجد مجتمعٌ تساوي فيه قيمة العمل قيمة النجاح والكرامة مساواةً مطلقة. حتى في ظل أكثر القوانين التزامًا بقيم المساواة، تظل مشكلة تراكم رأس المال البشري قائمة؛ إذ يبدأ بعض الأفراد رحلتهم في الحياة وسط بيئة ثريّة، أو ذات إرثٍ علمي أو سياسي، أو حتى فني أو رياضي، فيتشبّه الأبناء بآبائهم، ويرثون خبراتهم، ويتنعمون بثمار جهودهم المعنوية والمادية.

أبان تقريرٌ صدر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية¹ عام 2018 في أمر العدالة الاجتماعية  أن 70% ممن وُلدوا في طبقة دُنيا في البلدان المتقدمة لا يتجاوزون حال آبائهم. وفي ذلك دليل بيّن على أنّ الكدّ وحده لا يُثمر ما لم يكن للمرء سند عائلي أو مؤسسي.




ضروري أن نفهم أن هذه اللامساواة ليست مجرد نتيجة لتحيزات مؤسسية "ظالمة"، فحتى في حالة أكثر القوانين معاداة للتوسط، تنال الأسر التي تملك إرثًا تعليميًا أو اقتصاديًا ميزة تنافسية أكبر في سوق العمل. فالأمر هاهنا لا يتعلق بتحيز خارجي يفضي إلى تمييز فئة عن أخرى، بل ثمة لا مساواة "مورثة" من حيث إمكانية تطوير واستغلال المورد البشري. ناهيك بتفاوت القدرات البشرية طبيعي المنشأ. إن الأسر التي لم تنل حظًا كبيرًا من الثقافة والتعلم، ليست على دراية بأساليب التربية الفعالة، ولا الموارد اللازمة لتحقيق أمثل استغلال للمورد البشري الكامن في أبنائهم. 

في هذا السياق، لا يقتصر الأمر على الأموال وحدها، فإنك إذا نظرت إلى بلد كمصر مثلًا، وتأملت حال الأثرياء فيه، وجدت معظمهم كأوباش الشوارع: على نفس القدر من الجهل والبلادة والخسة، إذ أنهم في الأصل نتاج بيئة ريعية، وفساد مؤسسي، وانحطاط ثقافي، لا يرتبط فيه مراكمة الثروة بتحسن على الأصعدة الإنسانية والثقافية. والحال نفسه في كثر من الدول العربية، وإفريقيا، وشرق أوروبا، حيث يتحدد الصعود الاجتماعي وفق القدرة على التطفل على مصادر الدولة والمجتمع لا عن طريق تنميتها.

نستنتج من ذلك، أن الثروة وحدها تنتج أنماط وساطة في التوظيف تفضي إلى انهيار الكفاءة المؤسسية (النموذج العربي)، بينما امتزاج الثروة برأس المال البشري المتمثل في الخبرات والمهارات والثقافة وما إلى ذلك يفضي إلى أنماط وساطة لا تبدد الكفاءة المؤسسية (النموذج الآسيوي). 

لا تغترّ بالمهاجرين المجتهدين الذين يحققون أمانًا وظيفيًا، أو يشترون بيوتًا، أو يُحسّنون نمط حياتهم مقارنة بحالهم قبل الهجرة؛ فهذه ليست مؤشرات على تحقق المعيار الطوباوي للعدالة الاجتماعية، بل هي أمورٌ عادية في متناول الكثيرين في أيّ بلدٍ متقدّم اقتصاديًا.

بل قل لي: كم عائلة هاجرت وراكمت إرثًا في صناعةٍ ما، أو في مجالٍ سياسي أو علمي؟ وكم عائلة مهاجرة غدت ذات شأن اجتماعي عظيم؟ وكم من الوقت، أي كم جيلًا، احتاجوا ليُراكموا رأس مال بشريًّا من الخبرات والعلاقات والمهارات يضمن لهم موطئ قدمٍ راسخ في المجتمع؟




المشاركات الشائعة