عندما تتحول البيروقراطية إلى سجن للمجتمع


أذكر أنني قرأت نصًا لشوبنهاور يذهب فيه إلى أنّ المجتمعات، كلما اتسعت رقعتها، وتنوعت ثقافاتها، وتعددت أنشطتها، وتضخمت إدارتها، ازدادت تعقيدًا ومساخةً. وفي سياقٍ مماثل، قال المؤرخ الروماني تاسيتوس: "كلما ازداد فساد الدولة، تضاعفت قوانينها." 

ما يحدث عادةً في المجتمعات الكبرى، المتنوعة الأعراق والأنشطة والثقافات، هو تحوّل جهاز الدولة إلى كيانٍ إداري ضخم، يرزح تحت وطأة التعدد والتعقيد، فيُعقّد البسيط، ويحوّل أدنى المشكلات إلى سلسلة لا نهائية من الإجراءات.

وذلك لأن تضخم المجتمع وتنوعه يفضي إلى تداخلٍ وتشابكٍ في شتى مجالات الحياة، فتغدو الدولة مضطرة إلى الإشراف على مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الأعراف والتقاليد، في ظل غياب هياكل إنسانية وسيطة تَحول دون تغوّل الدولة، إذ لا يملك المجتمع المتضخم، بتنوعه، قاعدة مشتركة تحدد ما يمكن الاتفاق عليه كمرجعية إنسانية جامعة.

وفي مثل هذا المجتمع، قد يتحول خلاف بسيط مع جار، أو مشكلة عائلية، إلى معركة قانونية باهظة التكاليف؛ لأن مؤسسات الدولة لا تفهم سوى لغة قانونية جامدة، غالبًا ما تكون منفصلة عن واقع الناس، لا سيما في المجتمعات الكبرى، التي تخضع تشريعاتها لضغوط سياسية واقتصادية تمليها قلةٌ من المتصرفين المنعزلين عن مجتمعاتهم، عزلةً تفوق عزلة أكثر ملوك التاريخ استبدادًا وضعفًا.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن المجتمعات الصغيرة تمتاز بدرجة من التجانس والألفة، تمكّنها من احتواء مشكلاتها بوسائل بسيطة ومرضية، إذ يُغني التوافق الثقافي والمعيشي عن الحاجة إلى قوانين صارمة أو نظم بيروقراطية ثقيلة. كما أن القوانين في تلك المجتمعات تظل أكثر اتصالًا بالواقع وأقرب إلى روح الناس، بخلاف المجتمعات الكبرى غير المتجانسة التي تضطر إلى سنّ قوانين شاملة تُعالج كل شيء دفعة واحدة.

وينطبق هذا المثال على طيف واسع من المجتمعات، تتفاوت في درجات تحضرها وتعقيدها وإنتاجها الحضاري، من قرى إفريقيا النائية ومجتمع الأميش في أمريكا، إلى مدن الدول المتقدمة ذات الثروات والتنظيم العالي. لكن القاعدة هي أنّه كلما صغر حجم المجتمع، قلّ تعقيده، وضاق المجال على الطفيليين الذين يتسللون إلى موارده دون اكتراث بخصوصياته الحضارية والبيئية. ومن هذا المنظور، إذا شئنا تقييم المجتمعات بناءً على مقياس "المساخة" الذي أشار إليه بوذا أوروبا، فلن نجد مجتمعاتٍ تُضاهي في قلة التعقيد مجتمعات ليختنشتاين، وسان مارينو، وآيسلندا، وكانتونات سويسرا، وربما أيضًا أندورا وسلوفينيا وإستونيا. وعلى النسق ذاته، يمكن أن ندرج مجتمعات أخرى أكثر تقليدية، تختلف في أنماط معيشتها، كدولة بوتان البوذية، وشعب الإنويت القطبي، وشعب الماساي الإفريقي، غير أن بدائية تلك الأنماط قد تجعل المقارنة بينها وبين المجتمعات الحديثة غير منصفة. وفي السياق نفسه، نجد أن سلطنة عُمان، وقطر، والإمارات، وسائر دول الخليج الغنية، رغم كونها أقل تجذرًا تاريخيًا وأكثر تنوعًا سكانيًا، إلا أن الهيمنة الواضحة لأبناء البلد، والفصل الصارم بينهم وبين المقيمين، جعلها مجتمعات لا تعاني من فوضى القوانين وتضخم التشريعات كما هو الحال في دول مشابهة من حيث التنوع.

وهناك أيضًا نموذج استثنائي لمجتمع صغير، متنوع عرقيًا، حديث التنظيم، يجمع بين الفعالية الإدارية وبساطة الهيكل، ولا يعاني من البيروقراطية المفرطة، ألا وهو نموذج سنغافورة، الذي يمتاز ببنية قانونية صارمة وشعبٍ متطبع بطبع إدارته.

أما على الطرف الآخر من المقياس، فإن ما أُطلق عليه "مقياس المساخة" – الذي قد تُخفف آثاره بعض العوامل كالتقدم الاقتصادي أو الإرث التاريخي أو الإمكانيات المادية – يشمل دولًا أضحت غارقة في جحيم القوانين والإجراءات، إما لأسباب جذرية أو طارئة. ومن هذه الدول ما هو متقدّم كأمريكا، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، ومنها ما هو متوسط أو متخلف مثل البرازيل، والهند، ومصر، ونيجيريا، وباكستان.

وما أقصده بـ"المساخة" في هذا السياق، لا علاقة له بدرجة التقدّم المادي للمجتمع أو تخلفه، وإنما هو توصيف لحالة مركّبة، تتجلى فيها عناصر متناقضة تُثقِل كاهل نظام الحكم، وتدفع الدولة إلى ابتلاع المجتمع تنظيميًا، فتختنق الحرية، وتحجم العفوية، وتضيع البساطة، وتحول كل خلاف إلى وثيقة.

إنّ هذه «المساخة» الإدارية ــ أعني بها تضخّم البيروقراطية وتشوّش الهياكل ــ لا تقف عند حدود تعقيد الإجراءات، بل تُفضي، تبعًا لذلك، إلى مشكلات مزمنة متوالدة لا تنقطع، ترغم الدولة لاحقًا على إنشاء مزيد من القوانين والتشريعات والهيئات التنظيمية لاحتواء ما كان يُمكن تلافيه أصلًا لو لم يتشعّب البناء الإداري على هذا النحو المشوَّه. والمفارقة أن هذا النمط، على خلاف ما يظنّ، هو منبع الأزمة أكثر من كونه أداة لحلّها، إذ غالبًا ما يُنتج التعقيد الإداري مشكلاتٍ أكبر من تلك التي يسعى إلى حلّها، فيزيد من عددها وحدّتها ويعمّق جذورها.

ولك أن تتأمل، مثلًا، مستويات الجريمة في جهات واسعة من القارة الإفريقية، حيث ما تزال الأعراف القبلية والعشائرية تشكّل القوام الاجتماعي، وتَسُود أخلاقيات صارمة في داخل الجماعة الصغيرة، لكنها لا تمتدّ خارجها. ومثل ذلك يُرى في المجتمعات البدوية في صحراء شمال إفريقيا، وفي القبائل الجبلية المنتشرة في أودية أفغانستان، أو في القرى المعزولة من بلاد البشتون. هذه المجتمعات، وإن كانت تُظهر انضباطًا أخلاقيًا صارمًا داخل حدودها، إلا أنّ أبناءها، حين يغتربون أو يُهاجرون إلى مدن صناعية ذات طابع فرداني ــ مثل مدن أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية ــ يصبحون أكثر عرضة للانهيار القيمي، وأحيانًا التحول إلى الجريمة، لا لأسباب تتعلّق بعرقهم أو دينهم، كما يروّج البعض، بل لأنّهم انتقلوا من نظم مغلقة محكومة بالأعراف والانضباط الجماعي، إلى نظم مفتوحة لا يربط بين عناصرها سوى القانون الرسمي، المجرد، الذي لا يحمل نفس الحضور الشعوري، ولا ذات التأثير الأخلاقي في نفوسهم.

هؤلاء الأفراد قد يتفوقون، في داخل مجتمعاتهم التقليدية، على "الرجل الأبيض" انضباطًا وسلوكًا، لكنّهم حين يُنتزعون من هذا النمط ويُزجّ بهم في نظم قانونية رسمية مغايرة، غالبًا ما يُسيئون الفهم؛ إذ يُفسّرون غياب الرقيب الجمعي بانعدام الرادع.

وهنا تبرز أزمة الهوّة الحضارية: فحين لا تُعالج هذه الفجوة، وتُترَك المسائل للبيروقراطية المجردة دون وسائط اجتماعية أو مؤسسات تربط بين الفرد والمجتمع الجديد، تزداد الانحرافات، وتُستدعى آليًا المزيد من القوانين والإجراءات الأمنية، فتدور الدولة في حلقة مفرغة: ازدياد في الجريمة يقابله تضخّم في الأجهزة، دون مساس فعليّ بأصل المشكلة.

المشاركات الشائعة