الديمقراطية كصنم ميتافيزيقي

إن شروط التقدم إلى وظيفة كناس في الطرقات لتفوق شروط الإدلاء بصوت في صناديق الاقتراع! بل إن أهل الأرصفة والمشردين في زوايا الشوارع، لا يرضون بضم امرئ إلى زمرة أصحابهم إلا بعد انتقاء وتفحص ومساءلة، كأنهم يجرون امتحان البلاء، ويزنون الناس بميزان المحنة. أما الانتخاب، فحسب المرء أن يرفع سبابته.

لا تفضي هذه الفوضوية، على شدتها، إلى انهيار الديمقراطيات الغربية، لأن تلك الأنظمة، وإن تزينت بلباس التعددية، لا تطرح من البدائل إلا ما كان ضمن نطاق محدود، ضيق المسالك، محكوم بحتميات اقتصادية واجتماعية لا فكاك منها. فالحزب الفائز، وإن اختلفت رايته وشعاراته، لا يخرج عن عباءة الليبرالية الديمقراطية إلا بقدر ما يغير الطاهي نكهة الحساء. هذا، وإن السياسات العظمى، التي ترسم مصائر الشعوب، قل أن تخضع لإرادة الناخبين، بل تحكمها أياد خفية، وتتحكم فيها دوائر غير منتخبة، كأن الديمقراطية فيها ليست إلا قشرة رقيقة على وعاء تغلي فيه المصالح الكبرى بغير علم الجمهور.

وإن هذه الحقيقة، ليفهمها مزارعو الجنوب الأمريكي، أولئك الفقراء الذين خبروا مرارة الواقع وعركتهم السنون، أكثر مما يدركها مثقفو العالم الثالث، الذين يجعلون من الديمقراطية صنما ميتافيزيقيا، ويكسونها أوصافا خلاصية كأنها وحي منزل أو عصا موسى التي تشق بحار التخلف. فهم يتوهمون أنها العلة الأولى في قوة الأمم، وما علموا أن وراء القوة سواعد الإنتاج، وموازين المال، وهيمنة السلاح، لا مجرد أوراق تطوى في صناديق الاقتراع. وتلك علتهم المزمنة، إذ يعانون من خلط مضن بين العلاقة العلية، التي تفسر، وبين العلاقة الظاهرة، التي تغري بالوهم، فلا يميزون بين ما كان سببا، وما كان مجرد قرين عابر في مشهد الأحداث.

لقد كانت الديمقراطية، في زمن مضى، تتخذ هيئة الميريتوقراطية، حين اقترنت بعوامل اقتصادية واجتماعية راجحة، فأثمرت حالا من المعيارية التربوية، غايتها أن تعلي من مقام المواطن، وتهيئه ليكون لائقا بمقام المواطنة. وكان هذا الضرب من الديمقراطية، بما فيه من حفظ لمقام الكفاءة والمعرفة، أخف وطأة، وأهون أذى، إذ أبقى وسط الفوضى العامة ما يجوز وصفه بسلطانية العقل والتأهيل، فجعل للناس مراتب، وللمعرفة سلطانا.
لكن ديمقراطية اليوم، وقد استحالت إلى كائن ثقافي مائع، إثر ما جر من يسارية فكرية مشوهة تسللت إلى الليبرالية ذاتها، جعلتها تنبذ كافة المعياريات التقليدية التي كانت تحكم المزاج الثقافي العام، بحجة أنها تقصي وتهمش جماعات مخصوصة.

وهذا المسار، وإن بدا في ظاهره رحمة، فهو في باطنه فتنة، لا سيما في البلدان التي لم تعهد في ديمقراطيتها القديمة حزما سلطويا أو تجربة كابحة، إذ تصبح تلك الأمم عرضة للوجه الفوضوي من الديمقراطية وحده، بلا أن يسعفها ميزان عقل أو معيار كفاءة، فتتخبط كما تتخبط السفينة بلا قبطان.

إن أبناء هذه الحقبة هم أولئك الطوباويون الأغبياء، الذين يغالبون الحقيقة بالعاطفة، ويستخفون بأن الدول والتنظيمات التي تكفل لهم رفاه القول وحرية الرأي، ما كان لها أن تبقى لولا قبضة أمنية شديدة، وجيش عارم العدة، واقتصاد عالي الكفاءة. هؤلاء الذين يزعمون أن الطريق لمواجهة العنصرية إنما هو بإهدار التوازنات الديموغرافية، وهتك نسيج الانسجام الثقافي، وفتح الأبواب على مصاريعها لمن هب ودب من المهاجرين، كأنهم يتعاطفون بلا عقل، وينفقون من رأس فارغ.

ولكنهم سرعان ما يفيقون على مرارة الواقع، فإذا بالمهاجرين الذين هللوا لقدومهم، لا يصبحون إلا يدا عاملة مستغلة، مضغوطة تحت خط الفقر، مسحوقة على هامش الحياة، بينما أولئك النشطاء لا يبرحون أحياء المترفين، في ربوع مصونة، محروسة، لم تبلغها ويلات ما صنعته ألسنتهم. فصاروا كمن يشعل النار في بيت غيره، ثم يقيم مأدبة يتغنى فيها بفضيلة الدفء.

وإن من الدول من أوتيت ثقافة مديدة، وتقاليد سياسية محكمة، وأعرافا راسخة تحكم هياكل الدولة من أعلاها إلى أدناها؛ فهذه – وإن أصابتها عدوى "الأيديولوجيات الملونة"– لا تنهار كما ينهار الكوخ تحت المطر، بل تبقى قائمة، وإن تزلزلت في أطرافها. وأما بلاد المشرق، تلك التي بالكاد تمسك بهيكل الدولة المهترئ كي لا يسقط، والتي لا سند لها من قاعدة مادية متينة، ولا تقاليد سياسية تحتكم إليها، وقد صار ميدانها الثقافي خالي الوفاض، لا يحسن إلا تكرار ما تقذفه حضارات أخري؛ فمرجح أن ينهار تحت سنابك هذه الأيديولوجيات، والشعارات المستوردة، والرؤى المعلبة.

وما يزيد الطين بلة، أن مثقفي هذه الديار قد انخرطوا في قافلة واحدة، لا يختلف فيها الواحد عن الآخر إلا كما يختلف ظل الساعة على الحائط، قد صبت عقولهم في قوالب الأكاديميا الغربية المعاصرة، حتى لتخالهم كتبا مترجمة لا بشرا من لحم ودم. ولولا جهل العوام باللغات الأجنبية، لما احتاج هؤلاء إلى كتابة سطر واحد؛ فهم لا يأتون بجديد، بل يعيدون ما قيل لهم، ويعرضون على أقوامهم وجوها لا يعرفونها لأنفسهم.

ولذا تراهم في جهل فادح بأحوال مجتمعهم، فيفسرون الظواهر بتشابه عارض، ويلبسون الوقائع أثوابا ضيقة، لا تستقيم ولا تستر، ويخلطون الغريب بالقريب، والمحال بالممكن، ثم يرفعون ذلك إلى مرتبة التأصيل والتنظير، وما هو إلا إسقاط شائه على واقع لا يبالي بهم ولا بما كتبوا.

إن آثار هذه الأيديولوجيات لتبدو في أوضح صورها على وجوه مثقفينا الليبراليين اليساريين، الذين إن لمح أحدهم جهاديا مدججا بالسلاح، يرفع راية الموت على حين غفلة من الناس، لم يخطر بباله بادئ الأمر إلا سؤال واحد: أهو ضحية الاستعمار، أم صنيعة الرأسمالية المتوحشة؟!

فكأن الدم المسفوح عندهم لا يدان بسكين القاتل، بل يعلق على شماعة التاريخ!
إنهم – ببلادة يحار فيها العاقل – يعتقدون أن وجود آليات كبرى لاشخصانية تفسر وقائع المجتمعات والتاريخ، كفيل بأن يعفي المجرمين من جرائمهم، كأنما أصبح التاريخ محكمة بلا قاض، والجريمة ظاهرة بلا جاني، والمجرم عندهم صورة أخرى للمظلوم، ما دام قد خرج من رحم منظومة متهالكة، أو نشأ في ظل بنية ظالمة!

وياليت الأمر يقتصر على الهبوط بمعايير المشاركة السياسية فحسب، بل إن ما يحدث حقا هو ازدراء كل مساهمة لا تخرج من الإطار المقموع المستضعف، الذي لا يتمنون سوى أن يقيموا فيه الأمة كلها، لا ليرتفعوا به إلى درجات التقدم، بل ليجروه إلى مستوى الجهل والتخلف، فيحققوا مساواتهم التي لا تعني شيئا سوى المساواة في الانحدار والركود.
بل إن الذين يتبعون هذا التيار – وهم في الواقع دعاة لنشر اللامسؤولية – يصرون على التعامل مع شعوبنا كأنها جماعات في طور المراهقة، لم تبلغ سن الرشد بعد، ويعتقدون أن الواجب يقتضي التسامح مع أخطائنا وتخفيف وقعها، وكأننا لا نملك من العقل سوى ما يعفى منه المراهقون.

فإذا استبيحت مقابر أثرية، أو بيعت تاريخ المدينة في مزاد علني، فالغالب على هؤلاء أن يحملوا السبب لما يسمونه "السياحة العالمية التي تسلع الهوية" – وكأن الذي اقتلع الأحجار وأحرق الوثائق كان موظفا في الأمم المتحدة، لا ابنا لهذه الأرض باع ترابها بدراهم معدودة. وإذا انهارت دولة، فإن السبب في نظرهم هو "هشاشة البنى الاقتصادية التي رسخها البنك الدولي"، أما إذا كان الشعب قد رفع الزعيم ذاته على الأكتاف ثلاثين عاما رغم الخراب، فهذا أمر لا يعنيهم، لأنهم لا يدركون الحقيقة إلا حين تصدمهم الإحصائيات. وإذا أطلقت طائفة النار على طائفة أخرى، قالوا في تهور "الاستعمار هو من جزأ شعوبنا"، لكنهم لا يتذكرون أن هذه الشعوب قد تهافتت على القتال قبل سايكس-بيكو، لا لشيء سوى مرعى وماعز وزوجة شيخ القبيلة.

ورغم أن بعض تفسيراتهم قد تقترب من الصواب على مستوى الماكروي (Macro level)، أي على المستوى الواسع الذي يشمل الأبعاد الكبرى للأحداث، فإنك في الحقيقة لا تجد سببا وجيها للأحكام الأخلاقية التي يطلقونها، ولا للقيم الانهزامية التي يرددونها، إلا في رغبتهم الداخلية الجامحة لترسيخ اللامسؤولية المشروعة بين شعوبنا. فكأنهم يرون فينا جماعة من الأطفال، تكالبت عليهم الأقدار حتى صاروا مجرد ضحايا لرغبات أخرى غير رغباتهم، ومجرد أدوات في يد من يعزف على أوتارهم، ناسين أن اللامسؤولية لا تخلق سوى الفوضى والضياع، وأن الرغبة في التحرر من مسؤولية الفرد في مجتمعه لا تعني إلا انهيارا يراكمه الزمن.

إن إغفال حقيقة أن نمط الديمقراطية الذي سيحل ببلداننا على الأرجح، سيجلب معه هذه الحمولة الثقافية، التي لا تعدو أن تكون عبئا جسيما، لتزيد من تردي مستوى هؤلاء الذين يعانون أصلا من عادات ظروف متردية على الأصعدة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وعادات مهلكة على الأصعدة الجسمانية والعقلية، حتى نبلغ، في النهاية، مستوى القردة في تصرفاتنا، فلا نعرف من أين أتينا ولا إلى أين نذهب. وحينها، سنكون، لا محالة، غير مسؤولين عن أفعالنا، كما لو أننا في حالة من الاضطراب العضوي والفكري، لا نفقه مرادنا ولا نعقل مغزى أفعالنا.

تلك المركزية التي تحظى بها كلمة 'الديمقراطية' في واقع الأمر لا تصف إلا هامشا ضئيلا من الحقيقة السياسية الفعلية. فإن الولايات المتحدة مثلا، ديمقراطية هي، وكذلك سنغافورة وكوريا الجنوبية وألمانيا، ومع ذلك، إذا أخذنا بقية العوامل الأخرى التي تساهم في نجاح هذه الدول، وفق المؤشرات المعترف بها دوليا، لرأينا أن ما يسمى 'الديمقراطية' لا يشغل سوى حيز صغير في معادلة النجاح، التي هي، في حقيقتها، مزيج من استراتيجيات سياسية محكمة، وأسباب تاريخية وثقافية، بل واجتماعية بيولوجية لا يمكن تجاهلها.

أما على الجانب الآخر، فتجد بعض الدول التي لم تسهم فيها التحولات الديمقراطية إلا في رفع مستوى التعصب والعنف والطائفية والهمجية، حيث أفضى تحرر تلك المجتمعات إلى بروز الشكل التحتي الإفنائي العنيف الذي همت السلطة الاستبدادية بتقليم أظافره لحفظ نفسها من الانهيار تحت وطأته.

كثيرا ما يتحدث السياسيون عن التهيئة للعملية الديمقراطية، وكأن هذه التهيئة ليست سوى تحديد لأطر تقيد الديمقراطية في إطار إجماع دولي سائد، يحمل في طياته خلفية أيديولوجية معينة، تجعل نتائج الديمقراطية لا تخرج عن المجرى المرسوم الذي يتناغم مع تلك الأيديولوجيا. فهذه التهيئة، في حقيقتها، ليست سوى الوصفة التي تأسست تاريخيا بطريقة سلطوية حربية، لتتيح بدورها إمكانية هذا الهامش الديمقراطي الذي يمكن الدول من التظاهر بالحريات السياسية، بينما في الواقع لا يتجاوز هذا الهامش كونه امتدادا للسلطوية الرأسمالية، كما أصاب الاشتراكيون المتطرفون والأناركيون في وصفه.

إن واقع الديمقراطية الحديثة، لا سيما في العالم غير الغربي، يشير إلى تحولها من نظام يهدف إلى إشراك الشعوب وتوسيع دائرة القرار، إلى حالة من العبث الذي يسقط المعايير ويحتقر الكفاءة، فيسوي بين الجاهل والخبير، والمخرب والبناء، تحت ذرائع 'المساواة' و'التمثيل الشامل'. والمفارقة أن هذا النموذج، في صورته المستوردة، لا يطبق في سياق دولة مستقرة تمتلك تراثا سياسيا راسخا، بل يفرض على مجتمعات مأزومة هشة، فتتحول العملية الديمقراطية من وسيلة للارتقاء إلى أداة للانحطاط، ومن مشروع للتمكين إلى مخطط للتفكيك الثقافي والاجتماعي، حيث يغيب فيه المفهوم الحقيقي للمواطنة، وتصبح بدلا من ذلك سرديات الضحية والمظلومية وتوزيع الاتهامات على أطراف خارجية، في حين تغمض العيون عن تحمل المسؤولية الذاتية.

وهذا ما يفسر شيوع النبرة القدرية في الخطاب الثقافي اليساري في بلداننا، حيث تختزل الفاعلية السياسية في لوم 'الاستعمار' و'الرأسمالية المتوحشة'، لتصبح تبريرا بائسا لكل انحدار أخلاقي، أو انهيار مؤسسي، أو جريمة جماعية. فالديمقراطية هنا لا تأتي كخلاصة تطور داخلي، بل كإملاء ثقافي معولم، يحمل في طياته أيديولوجيات تستبطن تعاطفا مرضيا عميقا مع الشعوب الضعيفة، فتسلبها إرادتها وتقنعها بأنها عاجزة بالفطرة، لا تصلح لغير التبعية والشكوى. وهكذا، يفرغ الفضاء السياسي من أي معيار يعلي من شأن الكفاءة والانضباط، ويملأ بشعارات تشجع على المحاكاة والانهزام، في مسرح عبثي يدار من نخب تنتمي ثقافيا للغرب أكثر من انتمائها لمجتمعاتها.

المشاركات الشائعة