قراءة في فيلم "الساعة الخامسة والعشرون" لسبايك لي
إنّ
عنوان هذا الفيلم — "الساعة الخامسة والعشرون" — لمنطوٍ على مفارقةٍ
بيانية؛ فاليوم الذي يركّز عليه الفيلم، كغيره من الأيام، لا تتجاوز مدته أكثر من
أربعٍ وعشرين ساعة. لكنّ هذه الساعة الزائدة التي يبرزها العنوان ليست معنيّة
بالزمان وفق التقسيم الكمّي، بل تسمو بنا إلى زمانيةٍ أعلى، لنبلغ ذلك الحيّز
المتعالي، حيث تُدرك الحياة في ضوء المصير.
في
ضوء المصير، ليس الزمان بحيّزٍ زمانيٍّ مقسّمٍ إلى لحظاتٍ متساويةٍ قابلةٍ للقياس
والتقييم على نحوٍ كمّي؛ فكلّ لحظةٍ ليست مثل التي سبقتها، ولا مثل التي ستليها،
إذ تُدرك كلّ لحظةٍ وفق ثقل وقعها الفردي على المرء، ووفق أثرها المحوري على حياته
ككلّ. يمكن لحيّزٍ زمانيٍّ ما أن يغيّر رؤية المرء لماضيه ومستقبله، فيكون أثره
الواقعي متخطّياً لأيّ قياسٍ كمّيٍّ ممكن. ففي ضوء ذلك، لن يعني للمرء أيُّ شيءٍ
أن نقول: لقد حدث ذلك في يوم كذا، بتاريخ كذا، الساعة كذا، مدةً دامت كذا؛ فهذه
المعطيات لا تبرز ما ينطوي عليه عمق الأثر، ولا ثقل التجربة.
يُبرز
لنا الفيلم هذا الزمان المتعالي، حيث يقف بطلنا على عتبة انقلاب المصير، إذ نرى
مونتغومري بروغان (مونتي) في سويعاته الأخيرة قبل دخوله السجن، حيث يستحيل الزمان
برزخًا تتكشف فيه الحقائق التي لطالما دفنتها مشتّتات الحياة.
في
مطلع الفيلم، يركن البطل، مونتي بروغان، سيارته قرب كلب مسجًّى على الأرض، توشك
أنفاسه أن تخمد، فيطلب من رفيقه أن يناوله السلاح ليقضي عليه، إشفاقًا عليه من
سكرات الموت وعذاباته. غير أن دهشة رفيقه وإباءه لهذا الفعل يثنيان مونتي عن عزمه؛
فيخطو نحوه مترددًا، ويتأمل هذا الكائن، فإذا به يلمح فيه شيئًا من الحياة لم يخمد
بعد. حينئذٍ، ينقلب حاله، ويعزم على حمله إلى طبيب بيطري.
ويُستهلّ
المشهد التالي بالبطل وقد اصطحب الكلب، الذي أطلق عليه اسم «دويل»، فصار له رفيقًا يؤنس وحدته، ويرقّ له
ويعتني به، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من قتله، لولا تردّد رفيقه واستنكاره،
وتلك الخطوات القليلة التي أماطت اللثام عن حقيقةٍ مغايرة؛ إذ بدا «دويل» لا يزال يتشبث بأهداب الحياة، قادرًا
على الذود عن نفسه رغم ما نال جسده من جراحٍ ناهشة.
تكشف لنا مجريات الأحداث
أن مونتي يمتهن تجارة المخدّرات، ويجني من عائدها ما يهيّئ له مسكنًا مترفًا في
قلب مانهاتن، يطلّ على نهر هدسون. وقد أقرّ لصديقه، الذي أبدى إعجابه بنساء الحيّ،
أنّه ما كان ليستطيع تحمّل أعباء هذا السكن لولا المال الدنس الذي يتدفق إليه.
تكشف
الشرطة أمر مونتي، فينقلب عيشه رأسًا على عقب؛ إذ يجد نفسه على عتبة السجن، لا
يفصله عن بدء تنفيذ عقوبة السجن سبعة أعوام إلا يومٌ واحد، ليزج به إلى مكانٍ لا
يليق بجسده الضامر، ولا بوجهه الوسيم الذي سيغدو غنيمةً يتسابق إليها المسجونون
تشويهًا وتنكيلاً.
ويمضي مونتي سويعاته
الأخيرة بين رفاقه، مثقلًا بالذنب، تعصف به رياح الشك. وعلى الرغم من مساعي أحبّته
لتسكين وجعه، يبقى قلبه موصولًا بآثامه. تنهض في نفسه الظنون تجاه المقربين، كأنّ
تلك الصحبة التي ألفها دهرًا قد استحالت في عينه سرابًا، لا يشبه طَلعها الأول،
ولا ظلها الذي اعتاد أن يستظل به.
تتحوّل
ساعات بطلنا الأخيرة إلى سجنٍ زمانيّ، تشتدّ فيه وطأة الأحاسيس حتى تبدّل صورة
العالم الذي ألفه وعاش فيه، وكأن الحياة لا تفصح عن حقيقتها إلّا في أوقات الشدائد
والمحن. لا يعيش بطلنا حاضره، وهو كلّ ما يملك، بل ينكفئ كيانه إمّا نحو ماضٍ يبعث
على الذنب والحسرة، أو نحو مستقبلٍ يلوح في الأفق، مشوبًا بالقلق والخوف. يتفتّت
وجوده بين "ما كان" و"ما سيكون"، دون أن يجد لنفسه سبيلًا
لتبديل المصير الذي كُتب عليه.
تنخر الشكوك كيان بطلنا
كما ينخر الدود جثث الموتى، فلا تبقي له لحظة صفاء واحدة. فإذا به يرتاب من الأحبة
قبل الغرباء، وتكون أول من تنالها الشكوك في عينه هي حبيبته "ناتوريل"،
إذ يراوده احتمال أنّها من وشت به إلى السلطات. وبمجرّد أن تلمّح الأحداث إلى هذا
الاحتمال، تتبدّل صورة "ناتوريل" في أعين المشاهد من فتاة عاشقة، مهمومة
بمصير حبيبها حتى اللحظة الأخيرة، إلى امرأة لا يهمّها سوى المال الذي طالما
تنعّمت به. لم يُصرّح مونتي بهذا الظن، بل كتمه في صدره، ولم يبح به إلا لوالده،
الذي مثّل له نقطة الثبات والاستقرار في خضمّ هذه العاصفة التي بعثرت ثوابت حياته،
ولم تخلّف منها سوى أنقاضٍ تسير بهيئة أشباحٍ لا صلة لها بما كان.
هاهنا يكشف لنا العمل
كيف أن اللحظات الحرجة تُسفر عن شكوكٍ قادرة على تغيير عالمنا، وتشويه ماضينا،
وإفساد حاضرنا ومستقبلنا. فالحبيبة، التي سعت لأن تكون ملاذًا لبطلنا في ساعاته
الأخيرة، غدت فجأة غريبة مهمّشة، تحوم حولها الظنون، ويُشكّك في صدق نواياها ونقاء
ضميرها.
وليس
الشك هاهنا في فعلٍ بعينه، بل في النية: أكانت ناتوريل وفية حقًا؟
تُبيّن
لنا الأحداث أن هذا المناخ المشحون بالشك لم يقتصر على البطل فحسب، بل شمل الجميع.
فعلى الرغم من أن مونتي لم يكن يدري كل ما يدور من حوله، إلا أننا نحن – المشاهدون
– نرى صديق عمره فرانك، في حواره مع صديقهما الآخر ياكوب، يقرّ بأن مونتي يستحق
العقاب. وببرود عدمي، يعترف بأنه ما إن تُغلق أبواب السجن على صديقهما، فلن تعود
الأمور كما كانت، وأن الحياة ستمضي، وتمحو ما تبقّى من آثار الصداقة.
هذا هو فرانك، الشاب
الطموح الذي يعمل في "وول ستريت"، والذي ينظر إلى الحياة بعين واقعية
باردة، فلا يستطيع استيعاب ألم ياكوب وهو يواجه فقدان صديقه، بل يسخر من تفاؤله
وسذاجته اللذين يدفعانه لتصوّر مستقبل قد يجمعهم بعد كل ما كان.
حتى ياكوب، الذي تظهره
الأحداث كرجل بسيط وأرعن، يتحوّل في هذا السياق المشتّت بينه وبين صديقه، رغم
اقتراب ساعة الوداع. فينشغل بتلميذته المثيرة، ويشعر بالذنب بسبب انجذابه لفتاة لم
تبلغ السن القانونية بعد.
أما الأب، الذي بذل ما
في وسعه لاحتضان ابنه في ساعاته الأخيرة، فلم ينجُ من وطأة الشكوك. فرغم كل جهوده
وحرصه على تخفيف آلام ابنه، سلّطت الأحداث الضوء على رؤيته لابنه من خلال عدسة
ذنبه الشخصي وتقصيره في حقه، وشكّه في قدرته على تحمل المصاعب. وهذا يتجلى في إصرار
الأب على نكران الواقع، والتشبث بالأمل، فيحاول تحفيز ابنه على الهروب، ويرسم له
خيالات عن حياة جديدة في أقصى الغرب الأمريكي، بهوية جديدة، وعائلة وبيت، وأجواء
سعيدة تكفّر عن ماضيه التعيس، وتغسل ما حمله من آثام.
يعايش
بطلنا صراعًا داخليًا في هذه السويعات الأخيرة، يكشف لنا حقيقة ما تنطوي عليه
الحياة من هشاشة وتناقض. لو تأملناها بعناية، لوجدنا أن خطواتٍ معدودة، مثل تلك
التي جعلت من «دويل» حيوان
بطلنا الأليف، كفيلة بتغيير مصيرنا. حدث هنا أو هناك، يكشف لنا جوانب مظلمة من
حياتنا، بعضها صحيح وبعضها باطل. تلك الشكوك التي تثار هنا أو هناك، والتأملات
التي تفتح أمامنا ما نغفل عن أمره عادة ونحن منكبّون على شؤون الحياة، والتفكير
المتأني في ماضينا وما نحمّله من آثام، تهشّم الصورة التي ألفناها للحياة، والتي
أحببناها واعتقدنا أنها ثابتة لا تتزعزع.
هذه الساعات الحرجة
تغربل من حولنا أسباب سكينتنا، وتسجننا في متاهات الشكوك والأوهام التي نمرّ بها
دون أن ننتبه إليها، وإن انتبهنا، فإننا لا نلقي لها بالًا، فتضلنا الحياة وتغمرنا
في متسعاتها، حتى نفقد ذواتنا في آفاقها اللامتناهية.
يحمل كل حدث في طياته طوفانًا من الصراعات الوجودية والعواصف الشعورية، التي ما كانت لتنشب لو لم تكشف الشرطة عن أمر مونتي.


.jpg)