ثراؤنا التقني المتسارع



أرى أن ما يجعل عالم الإنترنت حيزًا طاردًا للملل هو أنه يفي حاجتنا البشرية في التجدد المستمر. يمكن تشبيه الأمر بالقيام برحلة في غابة مطيرة حيث تبعث النباتات الكثيفة التي تحيطك من كل مكان إحساسًا دائمًا بالغموض والمغامرة.

كثير من الناس لا يدركون هذه الحقيقة لأنهم لا يعرفون من هذا العالم إلا القليل، ولا يدرون ما يحتويه من كنوز لا حصر لها. حتى التصفح العشوائي للمنصات والمواقع البعيدة عن المناخ العام والآراء السائدة قد يقودك إلى أماكن عجيبة حيث ثمة أشياء ربما لم تكن تعتقد أنها موجودة أصلًا، أو أنها غير موجودة بهذا الحد. هناك مجتمعات صغيرة على الإنترنت لكل ما قد يدور في بالك، وأيًا ما كانت اهتماماتك ستجد دائمًا ما يفي حاجتك في هذا العالم. صحيحٌ أن معظم الناس يكتفون بحيز ضيق ولا يجددون وجهتهم في هذا العالم، فيملون من وجوده، ويصيبهم محتواه مع الوقت بالضجر. لكن الطريقة الأنجع في رأيي للتمتع بهذا العالم هي ألا تقيد محتواك وتسعى دومًا إلى فتح أبواب جديدة، إذ على الرغم مما يتيحه هذا العالم من المساحة اللانهائية من خلق البيانات، تميل التجمعات البشرية المنشئة في أحيازه إلى الانغلاق على نفسها مع الوقت وخلق "قرى" منغلقة وسط هذا الفضاء الفسيح.

لا أنكر حقيقة أن عالم "الداتا" هذا لا يعادل مغامرات الواقع التي تختبر بكافة الحواس، وأن هذه الألاعيب العقلية التي يحتويها قائمة أساسًا على تجريد الواقع وصقله على نحو يسهل نقله والتحكم فيه كما يحلو لنا، وهذا حتمًا يفضي إلى تحديده وإفقاره، وأن هذا المحيط اللانهائي مهما اتسع ليس هو عالم الحواس الواقعي. لكن على الرغم من ذلك، لا ينبغي أن نفهم أن خلق محيط لا نهائي من البيانات التي تقوم بالتوسع وإعادة تخليق نفسها ذاتيًا هو نشاط اصطناعي نشأ مؤخرًا ولا صلة له بعالم ما قبل الإنترنت. ففي واقع الأمر، ما أحدثه الإنترنت هو امتداد للثورة التي أحدثها التدوين قبل قرون مديدة، وأيضًا للثورة التي أحدثها التدوين الآلي لاحقًا.


على مدار تاريخنا كنا نرسم ونخطط ونحدد وندون لنوسع قدرتنا على التحكم في هذا العالم، ومؤخرًا، بفضل قدرتنا على خلق آليات تجمع قدرًا مهولًا من البيانات بأقل الجهود الممكنة، خلقنا عالمًا كاملًا مما كنا نخلقه لإحكام سطوتنا على الواقع. لكن في هذا الصدد، من الضروري أن نذكر حقيقة أن هذا التوسع المهول في عالم البيانات، رغم آثاره الإيجابية في بعض النواحي، أفضى إلى إظهار حقائق هدامة حول النفس البشرية. ففي الماضي، قبل اختبار آثار هذا العالم المتسارع المهول، لم يكن يهمنا كثيرًا على الصعيد الاجتماعي إذا ما كانت الشخصية البشرية واحدة أو متعددة في تكوينها، وعلى الرغم من وجود شواهد قديمة تفيد بفكرة انطواء النفس البشرية على تعددية وتغير، كان هذا الأمر محصورًا بأحداث واقعية.

يمكن لرحلة بحثية أو دراسية، أو سفر، أو توجه روحي، وبالتبعية، كل ما ينتمي إلى عالم التطور والتغير أن يحدث تغيرًا ملحوظًا في نفوس البشر، وفي بعض الأحيان، قد يبلغ التغير حدًا يبعث سؤالًا عن ما إذا كان الشخص هو نفسه أم قد غدا شخصًا جديدًا. بنفس الطريقة، هذا الغوص في هذه العوالم الغامضة التي أتاحها الإنترنت كثيرًا ما يحدث بدوره آثارًا مهولة في النفس البشرية في حيز زمني هزيل، لأن مجرد البقاء في هذا العالم يعرّض الناس لقدر مهول من البيانات من شأنه أن يعيد برمجة مدخلات عقولهم.

صحيح أن الكثافة تختلف وفق المحتوى، فالمحتوى المبتذل كمقاطع التيك توك القصيرة والبورن والتغريدات غالبًا ما تميل إلى إحداث آثار جسيمة على مستوى التركيز والقدرة الاستيعابية، وهذا ينتمي إلى التأثيرات اللاواعية، بينما قراءة المقالات والكتب، وتصفح الموسوعات العلمية والتاريخية وما إلى ذلك، يميل إلى إحداث آثار واعية بكثافة مهولة. بالنتيجة، عام واحد في وجود هذا الشيء يساوي أعوامًا طوال قبل وجوده. ففي السابق لم تكن هناك نفس المؤثرات التي من شأنها أن تظهر قدرة البشر على التغير، ولا المحفزات التي تجلي لنا تعددية النفس وانطوائها على كيانات متنازعة لا حصر لها

هذا العالم الذي يصفه "النورميز" بالتافه والاصطناعي وما إلى ذلك، وهم لا يدركون منه إلا حيزًا ضيقًا، ومثلهم كمثل من يحكم على محيط بعد غوصات لم تبلغ في بعدها عدة أمتار، هو في واقع الأمر توسيع مهول لنشاطات بشرية يعود أصلها إلى تاريخنا القديم، بلغت حدًا غير مسبوق جعل التفاعل معها باعثًا لحالة من الغربة (alienation). معظمنا لا يستوعب حقيقة أن التقنيات الحديثة المعقدة التي تبهر العقول هي في واقع الأمر امتداد و"تفرّد" لتقنيات بدائية وُجدِت منذ عصور الهمجية الأولى

خلافًا لفلاسفة مثل هايدجر وغيره ممن اعتبروا التقنية الحديثة قوة "اغتراب" لا أكثر، يرى جيلبير سيموندون أن التقنية امتداد طبيعي للإنسان، وأن فهمها يتطلب احترام منطقها الداخلي. حينما ينظر معظم الناس إلى الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي أو سائر مظاهر التكنولوجيا الحديثة، يظنون أنهم أمام ظواهر مبتدعة لا سابقة لها في التاريخ، وكأنها انبثقت فجأة من العدم. لكن الحقيقة، حين نراها في ضوء تأملات جيلبير سيموندون، تبدو على نحو مخالف تمامًا. فالتقنية في جوهرها ليست دخيلة على الإنسان، ولا هي عنصر طارئ على العالم، بل هي امتداد عضوي لرحلة التكوين الإنساني؛ إنها تفرّد طويل ومعقّد لاحتياجات عميقة سكنت وجداننا منذ فجر التاريخ

عندما كان الإنسان الأول يرسم فوق جدران الكهوف، أو يحفر إشارات غامضة فوق عظام الحيوانات، لم يكن ذلك مجرد تعبير فني بدائي، بل كان أول محاولة لصياغة الواقع وتحجيمه وتثبيته في صورة يمكن ترمزيها والرجوع إليها، ويمكن أيضًا التحكم في الواقع من خلالها. لا يرى سيموندون الآلة كأداة نفعية وحسب، بل ككائن له مسار تطوري، كائن ينمو ويتحوّل، ويصل إلى مرحلة من "التوحيد"، حيث تنصهر عناصره في وظيفة متكاملة لا تنفصل فيها الغاية عن الوسيلة.

وبهذا المعنى، لا فرق جوهري بين رسم الكهوف وتجميع البيانات الضخمة في خوادم الإنترنت. كلاهما محاولة لإنشاء خريطة ذهنية للعالم، محاولة لترتيب الفوضى، وفهم ما يستعصي فهمه.


ما فعله الإنترنت في عصرنا هو أنه اختزل آلاف السنين من هذا التراكم، وخلق عالمًا يمكن فيه للتقنية أن تنظر إلى نفسها، وتعيد إنتاج ذاتها، بل وتصوغ الإنسان نفسه من جديد في ضوء ما تملكه من معرفة عنه. وهذا التداخل المعقّد بين الإنسان والآلة، بين العفوي والمبرمج، هو تحديدًا ما يجعل التقنية، في نظر سيموندون، ليست مجرد أدوات نستعملها، بل كينونات نعيش معها، ونتطور من خلالها. ومن هنا نفهم أن الغوص في عوالم التقنية الحديثة لا ينبغي أن يُفهم كانفصال عن التاريخ أو الطبيعة، بل كامتداد طبيعي "متسارع" لحاجة الإنسان إلى أن يتجاوز ذاته، ويعيد تشكيل العالم وفق صورته الداخلية المتغيرة. هذه التقنيات المعقدة ما هي إلا أصداء بعيدة لصيحات أسلافنا الأوائل.

 





المشاركات الشائعة